عندما تصبح الكفاءة جريمة والإنجاز تهديدًا للأمن الانتخابي!

حميد طولست .

يبدو أن المغرب اكتشف نظرية سياسية جديدة تستحق أن تُدرَّس في أكبر الجامعات، عنوانها: “كلما زادت كفاءتك، قلت فرصك في النجاح السياسي.”
في الدول الأخرى يتنافس السياسيون على تقديم أفضل البرامج، وأحسن الحلول، وأكثر المشاريع فائدة للمواطنين. أما عندنا، فالمنافسة أكثر تطورًا… إنها منافسة حول من يستطيع أن يعد أكثر… وينجز أقل.
فالسياسة، في نسختها المغربية، لم تعد فن تدبير الشأن العام كما قال ماكس فيبر، بل أصبحت فن تدبير الأصوات، حتى ولو غرق الشأن العام في الأوحال.
الكفاءة؟ لا داعي لها.
المعرفة؟ قد تثير الشبهات.
النزاهة؟ قد تُربك قواعد اللعبة.
أما الإنجاز… فهو أخطر من ذلك كله.
تخيلوا فقط مسؤولًا يقرر تنظيف المدينة، أو فرض غرامة على من يرمي الأزبال في الشارع. يا للهول!
ألا يعلم هذا الرجل أن الزبالة جزء من التراث اللامادي؟ وأن الأكياس البلاستيكية المتطايرة أصبحت عنصرًا من عناصر الهوية البصرية لبعض المدن؟ وأن الذباب أيضًا له حق في العيش الكريم؟
لقد ارتكب مصطفى لخصم، رئيس جماعة إيموزار، خطأً سياسيًا لا يُغتفر.
بدل أن يعد الناس بمدينة تشبه سويسرا في موسم الانتخابات، قرر أن يحاول جعلها تشبه مدينة عادية تحترم نفسها.
أي تهور هذا؟
ثم ماذا لو نجحت التجربة؟
ماذا سيقول المواطن عندما يكتشف أن المدينة يمكن أن تكون نظيفة؟
وماذا سيحدث إذا اقتنع بأن المنتخب يستطيع أن يعمل بدل أن يخطب؟
أليس هذا تهديدًا مباشرًا لثقافة “الله يجعل البركة” و”اصبر حتى الانتخابات المقبلة”؟
لقد قرأت تعليقًا يقول إن ما فعله مصطفى لخصم يشكل خطرًا على الإرث السياسي الوطني.
ولأول وهلة ظننت أن الرجل باع المدينة لدولة أجنبية، أو غيّر حدود المملكة، أو نقل جبلًا من مكانه.
لكنني اكتشفت أن الجريمة أخطر من ذلك بكثير…
لقد أراد أن يمنع الناس من رمي الأزبال!
يا للمصيبة!
غدًا سيأتي مسؤول آخر يمنع احتلال الأرصفة.
وبعده مسؤول ثالث يفرض احترام قانون السير.
ثم رابع يحارب الرشوة.
وعندها سنفقد كل خصوصيتنا الوطنية!
وسوف تستيقظ أوروبا لتطالب باسترجاع مدننا لأنها أصبحت نظيفة أكثر مما ينبغي!
إن بعض الساسة لا يخافون من الفساد كما يخافون من الإصلاح.
الإصلاح قد يغضب ناخبًا.
والقانون قد يزعج مخالفًا.
وتطبيق النظام قد يُفقد بضعة أصوات انتخابية.
أما الفوضى… فهي استثمار مضمون.
فالسياسي الذي لا ينجز شيئًا لا يزعج أحدًا، ولذلك يعاد انتخابه بكل أريحية.
أما الذي يطبق القانون، فإنه يغامر بمستقبله السياسي، لأنه تجرأ على التعامل مع المواطنين باعتبارهم مواطنين، لا خزانات أصوات.
ولهذا أصبحت بعض الأحزاب تشبه وكالات موسمية لتوزيع التزكيات، أكثر مما تشبه مدارس لإنتاج النخب.
المعيار ليس: من هو الأكفأ؟
بل: من يملك أكبر شبكة علاقات؟
من يستطيع تعبئة أكبر عدد من الأصوات؟
ومن يجيد الابتسام أكثر أمام الكاميرات؟
أما الشهادات والخبرة والكفاءة، فهي مجرد كماليات يمكن الاستغناء عنها.
ومع ذلك، لا نيأس.
فالمغرب لا تنقصه الكفاءات.
بل إن أبناءه الذين يديرون شركات عالمية، ويقودون مختبرات علمية، ويبدعون في الطب والهندسة والاقتصاد، يثبتون كل يوم أن المشكلة ليست في الإنسان المغربي.
المشكلة في نظام سياسي لا يزال يعتبر الكفاءة ضيفًا ثقيلًا، بينما يفرش السجاد الأحمر لمن يتقن فن الانتخابات أكثر من فن الإدارة.
وربما سيأتي يوم يصبح فيه السؤال في الحملات الانتخابية:
“ماذا أنجزت؟”
بدل السؤال التقليدي:
“كم صوتًا تضمن؟”
عندها فقط، لن تصبح السياسة سباقًا نحو الكراسي، بل سباقًا نحو خدمة الوطن.
أما إلى أن يحين ذلك اليوم… فلنحافظ على الزبالة… حتى لا نتهم بتقليد سويسرا! إلى تتحقق أمنية أستاذنا الكبير عبد الحي الرايس: “مَنْ لَنَا، بِمُدَبِّرِين للشأنِ العام يَزْهَدُونَ في المغانمِ والمكاسب، ويُراهِنون على رفعِ شأن الأمَّةِ والوطن، يُسارعونَ إلى تسديدِ ديونِ البلد، وتأمينِ رفاهِ الشعب،وإعلاءِ مكانته، دَخْلاً وتعليماً وتطبيبا.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *