شاشا بدر
شهدت العديد من المدن والأحياء المغربية خلال السنوات الأخيرة انتشاراً متزايداً لظاهرة الكراء السري للمنازل والغرف والشقق، حيث يتم استغلال العقارات السكنية في أنشطة الكراء دون التصريح بها لدى المصالح المختصة ودون أداء الضرائب المستحقة. وقد تحولت هذه الظاهرة إلى شكل من أشكال الاقتصاد غير المهيكل الذي يدر أرباحاً نقدية مهمة على بعض الملاك، في الوقت الذي تخسر فيه الدولة موارد مالية كبيرة كان من الممكن توجيهها إلى تمويل الخدمات العمومية والبنيات التحتية.
ويعتمد الكراء السري غالباً على معاملات نقدية مباشرة بين المكري والمكتري دون عقود مصادق عليها أو تصريحات ضريبية، مما يجعل تتبع هذه الأنشطة أمراً صعباً. وتنتشر هذه الممارسات في عدد من الأحياء الشعبية والجامعية والمناطق السياحية، حيث يتم تقسيم المنازل إلى غرف صغيرة أو شقق متعددة وكراؤها بشكل يومي أو شهري دون احترام الضوابط القانونية والتنظيمية.
وتتجلى خطورة هذه الظاهرة في تأثيرها المباشر على مبدأ العدالة الضريبية، إذ يؤدي بعض المواطنين والشركات الضرائب والرسوم المفروضة عليهم، بينما يحقق آخرون مداخيل مهمة خارج أي مراقبة أو مساهمة في تحمل الأعباء العامة. ويؤدي ذلك إلى خلق منافسة غير متكافئة داخل سوق الكراء العقاري وإضعاف ثقة المواطنين في المنظومة الضريبية.
كما أن الكراء السري لا يقتصر ضرره على الجانب المالي فقط، بل يمتد إلى الجوانب الاجتماعية والأمنية. فغياب العقود القانونية يحرم المكتري من العديد من الضمانات والحقوق، ويصعب إثبات العلاقة الكرائية عند وقوع نزاعات. كما قد يؤدي عدم التصريح بالساكنة إلى صعوبات أمنية وإدارية مرتبطة بتحديد هوية المقيمين الفعليين داخل بعض العقارات.
وتشير العديد من التقارير والدراسات إلى أن الاقتصاد غير المهيكل يشكل تحدياً حقيقياً أمام جهود الدولة الرامية إلى توسيع الوعاء الضريبي وتحقيق التنمية المستدامة. فكل درهم يتم التهرب من التصريح به يمثل مورداً ضائعاً كان من الممكن استثماره في بناء المدارس والمستشفيات والطرق ودعم البرامج الاجتماعية.
ولمواجهة هذه الظاهرة، أصبح من الضروري تعزيز آليات المراقبة والتصريح الإلكتروني بالعقود الكرائية، وتشجيع المواطنين على احترام القوانين الجبائية، مع تكثيف حملات التوعية بأهمية المساهمة الضريبية في تمويل المرافق العمومية. كما يتعين تطوير وسائل التتبع الرقمي للمعاملات العقارية وتشديد العقوبات على حالات التهرب الضريبي المتعمد.
إن محاربة الكراء السري ليست مجرد مسألة مالية أو إدارية، بل هي رهان على ترسيخ دولة القانون والمساواة بين المواطنين. فكلما تم الحد من الاقتصاد الخفي وتوسيع دائرة الامتثال الضريبي، ازدادت قدرة الدولة على توفير الخدمات وتحقيق التنمية وتحسين جودة الحياة لفائدة الجميع.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، يبقى التصدي لظاهرة الكراء السري مسؤولية مشتركة بين السلطات العمومية والمواطنين، من أجل بناء اقتصاد أكثر شفافية وعدالة ومساهمة في خدمة المصلحة العامة.