المدينة الدولية للسينما بورزازات.. مشروع استراتيجي يعزز ريادة المغرب ويربط الصناعة السينمائية بالتراث الثقافي

يشكل إطلاق مشروع المدينة الدولية للسينما بمدينة ورزازات خطوة استراتيجية جديدة في مسار تطوير الصناعات الثقافية والإبداعية بالمغرب، حيث يعكس توجها حكوميا يروم تحويل المدينة إلى منصة متكاملة للإنتاج السينمائي، تجمع بين التصوير، والتكوين، والابتكار، وخدمات ما بعد الإنتاج، بما يعزز مكانة المملكة على خريطة السينما العالمية.

وخلال زيارة ميدانية إلى إقليم ورزازات، أشرف وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، على إعطاء الانطلاقة الرسمية لأشغال هذا المشروع الطموح، الذي رصد له غلاف مالي يناهز 240 مليون درهم، وسينجز على مساحة تفوق عشرة هكتارات، في إطار شراكة تجمع عددا من المتدخلين بهدف إرساء منظومة سينمائية متكاملة تستجيب للمعايير الدولية.

ولا يقتصر هذا المشروع على تشييد فضاءات جديدة للتصوير فقط، بل يتجاوز ذلك إلى معالجة إحدى أبرز نقاط الضعف التي كانت تواجه الإنتاجات الأجنبية بالمغرب، والمتمثلة في غياب خدمات متطورة لما بعد الإنتاج. فلطالما كانت العديد من الأفلام العالمية تصور مشاهدها في ورزازات قبل أن تنتقل إلى بلدان أخرى لاستكمال عمليات المونتاج والمؤثرات البصرية والمعالجة التقنية، وهو ما كان يحرم الاقتصاد المحلي من قيمة مضافة مهمة.

ومن هذا المنطلق، تراهن المدينة الدولية للسينما على الاحتفاظ بكامل سلسلة الإنتاج داخل المغرب، بما يساهم في خلق فرص شغل جديدة، واستقطاب استثمارات إضافية، ونقل الخبرات والتكنولوجيا إلى الكفاءات المغربية، فضلا عن دعم المقاولات العاملة في المجال السمعي البصري.

كما يعكس المشروع رؤية جديدة تقوم على التكامل بين القطاعين العام والخاص، حيث أكد الوزير أن المدينة السينمائية لن تكون منافسا للاستوديوهات الخاصة التي راكمت تجربة كبيرة بورزازات، بل فضاء داعما ومكملا لها، من خلال توفير خدمات متخصصة ترفع من تنافسية المدينة في استقطاب كبريات الإنتاجات الدولية.

وفي السياق ذاته، لم تقتصر زيارة الوزير على الجانب السينمائي، بل شملت أيضا تتبع أوراش ترميم عدد من المعالم التاريخية التي تضررت جراء زلزال الحوز، وفي مقدمتها قصبة تاوريرت وقصر آيت بن حدو، في خطوة تؤكد أن الاستثمار في الثقافة لا ينفصل عن الحفاظ على الذاكرة التاريخية للمغرب.

ويكتسي هذا الورش أهمية خاصة بالنظر إلى القيمة الحضارية لهذه المواقع، خاصة قصر آيت بن حدو، المصنف ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، والذي يعد من أشهر الفضاءات التي احتضنت تصوير أعمال سينمائية عالمية، ما يجعل الجمع بين تأهيله وتطوير الصناعة السينمائية خيارا تنمويا يربط الثقافة بالاقتصاد والسياحة.

وأكد الوزير أن أشغال ترميم قصر آيت بن حدو بلغت مراحل متقدمة، ومن المرتقب الانتهاء منها خلال الأشهر المقبلة، قبل الانتقال إلى مرحلة تثمين الموقع وإدماجه بشكل أكبر في الدينامية السياحية والثقافية، بما يضمن استقطاب الزوار على مدار السنة.

ويرى متابعون أن مشروع المدينة الدولية للسينما يمثل استثمارا في اقتصاد المستقبل، باعتبار أن الصناعات الثقافية أصبحت من القطاعات الأكثر نموا عالميا، كما أن المغرب يمتلك مؤهلات طبيعية وبشرية ولوجستية تؤهله ليصبح مركزا إقليميا للإنتاج السينمائي، خاصة مع توفر مدن مثل ورزازات على رصيد كبير من الخبرة والسمعة الدولية.

وبين إطلاق مشاريع سينمائية كبرى، ومواصلة ترميم المعالم التاريخية، تبدو ورزازات مقبلة على مرحلة جديدة عنوانها الجمع بين قوة الصورة وسحر التاريخ، في نموذج تنموي يجعل من الثقافة والسينما رافعتين أساسيتين للتنمية الاقتصادية وتعزيز الإشعاع الدولي للمغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *