حميد طولست. كاتب ساخر وناقد اجتماعي
قرأت ذات يوم للفيلسوف “ماركوس أوريليوس”جملة قصيرة مفادها : “ماذا تخاف خسارته أيها الإنسان؟ فلا شيء هو ملكك لتخسره” لكن الجملة رغم قصرها فإنها تهزّ أعماق الإنسان، لأنها تصطدم مباشرةً بأكبر أوهامه: وهم التملك الدائم”. الوهم الذي يقضي الإنسان عمره وهو يعتقد أن ما بين يديه ثابت، وأن الأشخاص الذين يحبهم سيبقون دائمًا إلى جانبه، وأن المال الذي جمعه سيحميه من تقلبات الحياة، وأن صحته وقوته وشبابه أشياء مضمونة لا تزول ، لكن الحقيقة التي يهرب منها الجميع هي أن كل ذلك شيء مؤقت. الوقت الذي نعيشه ليس ملكًا لنا، بل هو رحلة عابرة نستعير فيها الأيام ثم نعيدها رغماً عنا ، والمال الذي نكدّسُه قد يذهب في لحظة مرض أو أزمة أو خسارة مفاجئة ، والممتلكات التي نتباهى بها قد تنتقل إلى غيرنا بعد سويعات قليلة بعد رحيلنا، وكأنها لم تكن يومًا جزءًا من حياتنا. بل حتى البشر الذين نحبهم، مهما اقتربوا منا، لا نملكهم ، لا نستطيع منع غيابهم، ولا تأجيل فراقهم، ولا التحكم في أقدارهم ومشاعرهم وأعمارهم ، لأن العلاقات في جوهرها ليست ملكية، بل صحبة مؤقتة يمنحها الله لنا لزمن معلوم. قد تبدو هذه الفكرة لأول وهلة قاسية أو متشائمة، لكنها في العمق دعوة عظيمة للتحرر النفسي. فالإنسان لا يتعذب غالبًا بسبب الأشياء نفسها، بل بسبب خوفه المستمر من فقدانها ، يعيش ومرعوبًا من خسارة من يحب ، قلقًا على ماله، وخائفًا على مكانته ، حتى يتحول عمره إلى حراسة دائمة لأشياء لا يملك السيطرة الحقيقية عليها. ولا تخفّ قبضة الخوف على قلب الإنسان ، إلا حين يدرك أن كل ما حوله زائل بطبيعته، فيتعلم الاستمتاع بالنعم دون أن يتعلّق بها تعلقًا مرضيًا، ويحب الناس دون أن يحاول امتلاكهم، وأن يعمل ويجتهد دون أن ينهار إذا تغيّرت الظروف. وهنا تلتقي الحكمة الإنسانية بالحقيقة الإيمانية الكبرى التي عبّر عنها القرآن الكريم بأبلغ بيان: “كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ”. هذه ليست دعوة مني لترك الحياة أو الزهد السلبي ، بل هي دعوة لوضع الأشياء في حجمها الحقيقي ،أن نعيش الدنيا دون أن نُستعبد لها، وأن نفهم أن قيمتنا ليست فيما نملك، بل فيما نكونه من وعي وأثر طيب. فالخسارة الحقيقية ليست فقدان المال أو الأشخاص أو الممتلكات، لأن كل ذلك إلى زوال، وإنما الخسارة الحقيقية أن يفقد الإنسان نفسه وهو يطارد أوهام البقاء. وحين يصل الإنسان إلى هذه القناعة، يصبح أكثر هدوءًا، وأكثر تصالحًا مع الحياة، وأكثر قدرة على مواجهة تقلباتها، لأنه ببساطة أدرك الحقيقة التي يحاول الجميع نسيانها: “أننا لا نملك شيئًا بالكامل ، ولذلك لا ينبغي أن نعيش أسرى الخوف من الفقدان”. .