فكرة ساخرة بعيدة عن التسويق الإيديولوجي الرخيص

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

بين أسوار فاس العتيقة وأبوابها التاريخية، حيث يفترض أن تعبق الذاكرة برائحة الحضارة والعلم، تصطدم العين أحيانًا بمشهد آخر أقل شاعرية وأكثر إيلامًا: آثار الإهمال، وروائح البول، ومظاهر العبث التي يتركها بعض المتخلفين ممن لا يقدّرون قيمة المكان ولا رمزيته التاريخية.
وأنا أتجول بين هذه المعالم، خطرت ببالي فكرة ساخرة، لكنها تحمل في عمقها رسالة واضحة إلى من يرفعون الشعارات أكثر مما يرفعون مستوى السلوك الحضاري.
الفكرة بسيطة: لماذا لا ينظم السيد عمدة فاس، المعروف بحرصه الكبير على نظافة المدينة وحبه لها حد العبادة، جولة خاصة لليهود الذين سبق أن صلّوا في ….مراكش ، وأثاروا حينها ضجيجًا سياسيًا وإيديولوجيًا واسعًا؟
ويدعوتهم بمناسبة تواجدهم في العاصمة العلمية في إطار “صلة الرحم” مع أحيائهم القديمة، للقيام بجولة روحية عبر أبواب فاس وأسوارها التاريخية، من باب الماكينة إلى باب المحروق، ومن باب لمريسة إلى فاس الجديد، مرورًا بكل النقاط التي تحولت إلى مراحيض مفتوحة بفعل سلوك من يدّعون الغيرة على الهوية والكرامة.
ولعلهم، إن صلّوا هناك، ينجحون في إخراج “سر البركة” من هذه الأماكن، في الوقت الذي يعجز فيه أصحاب شعارات “إسقاط التطبيع” عن إخراج حتى الحد الأدنى من النظافة من محيطهم. أولئك الذين يملؤون الفضاء العام صراخًا ضد التطبيع، بينما يتركون الجدران والأسوار تختنق بما يفيض من تناقضاتهم اليومية.
إخوتنا الكوفيون، والأخونج، والقومجيون، وبعض اليساريين الذين ينفخون في نفس القربة المثقوبة، يقدمون نموذجًا فريدًا في التلفيق الأخلاقي: يرفضون زيارة سائح أو صلاة عابر، لكنهم لا يرون بأسًا في تلويث مدينة بكاملها، وكأن الوطنية تقاس بعدد الشعارات لا بعدد الأمتار النظيفة.
لذلك، قد يكون هذا الحل هو الأكثر عملية والأقل كلفة: جولة سياحية ـ تطهيرية مجانية، تعفي الجماعة الحضرية من ميزانيات إضافية، وتمنح المدينة فرصة لاستعادة شيء من كرامتها التاريخية و“بيليكي”، أي ببلاش.
فأحيانًا، لا تحتاج المدن إلى خطب سياسية طويلة، بل فقط إلى قليل من الاحترام ، وكثير من الصابون.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *