حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في فاس، كما في باقي ربوع المملكة السعيدة، هناك قاعدة سياسية مقدسة لا يجوز الاقتراب منها: المنتخب خُلق أولًا لخدمة المواطن ، لكن بشرط ألا يُزعجه المواطن كثيرًا!
فالبرلماني أو المستشار الجماعي – كما تعلمنا في كتب التربية على المواطنة التي لم يقرأها أغلبهم – مهمته الأساسية هي الدفاع عن حق المواطن في التعليم، والصحة، والشغل، والإدارة المحترمة، والعدالة الناجزة، والعيش الكريم ، أي باختصار: كل شيء، ما عدا القيام بذلك فعليًا.
ففي موسم الانتخابات، يتحول المرشح فجأة إلى نسخة محلية من سوبرمان، يعدك بإصلاح الطرق، وبناء المستشفيات، وتشغيل الشباب، وحتى بإقناع المطر أن يسقط في وقته المناسب ، لكن ، بعد إعلان النتائج، فيدخل مباشرة مرحلة “التأمل السياسي العميق”، وهي مرحلة تستمر خمس سنوات كاملة، لا يُرى فيها إلا في الأعراس، الجنائز، أو صور التهاني والسفريات الرسمية وغير الرسمية.
أما التواصل مع المواطن، فهو فن راقٍ لا يفهمه إلا الكبار ، ففي السابق كان المنتخب يزور الأحياء الشعبية ليسأل عن أحوال الناس، أما اليوم فقد تطور الأمر، وأصبح يكفيه أن يضع صورة له على فيسبوك مرفقة بعبارة : “خدمتكم شرف ومسؤولية”، ثم يغلق التعليقات احتياطًا من الشرف الزائد.
وإذا طالب المواطن بحقه، يُقال له فورًا: “اصبر، المشاريع في الطريق” ، والغريب أن هذه المشاريع مثل الجن، الجميع يتحدث عنها، لكن لا أحد رآها.
أما المقارعة السياسية، التي يفترض أن تكون بالبرامج والمناظرات والندوات الجادة، فقد تطورت بدورها وأصبحت تعتمد على الفيديوهات المفبركة، والتسريبات الغامضة، وجيوش الواتساب، وتحليلات “قردوش السياسي”، ذلك الكائن العجيب الذي يفهم في الاقتصاد، والدبلوماسية، وكرة القدم، والطب النووي، وتحديد جنس الجنين من خلال لون الستائر.
لقد أصبح بعض المرشحين يعتقدون أن البرلمان مجرد صالون فاخر لالتقاط الصور، وأن الجماعة الترابية عبارة عن وكالة أسفار نحو الامتيازات والتعويضات، وأن “خدمة المواطن” تعني فقط خدمة المواطن ، أيام الحملة الانتخابية.
وفي فاس تحديدًا، المدينة العريقة التي أنجبت العلماء والمفكرين، يبدو أن بعض ممثليها قرروا أن يضيفوا إليها تخصصًا جديدًا: فن الاختفاء السياسي.
فمنهم من لا يظهر إلا عند اقتراب الانتخابات، كأنه ظاهرة فلكية نادرة، ومنهم من يعتبر الصمت تحت قبة البرلمان نوعًا من الزهد السياسي، ومنهم من يرى أن الإنجاز الحقيقي هو الحفاظ على الكرسي البرلماني لأطول مدة ممكنة، حتى يصبح المقعد إرثًا عائليًا يُورث للأبناء والبنات، وربما للأحفاد مع شهادة السكنى.
المواطن الفاسي اليوم لم يعد ذلك الكائن الساذج الذي يصفق لكل خطاب مزخرف ، لقد فهم جيدًا لعبة بعض المرشحين الذين يدخلون الانتخابات بشعار “التغيير”، ثم ينجحون فعلًا في التغيير ، لكن فقط في السيارة، والفيلا، والبدلة الإيطالية، وأحيانًا – كما تؤكد بعض الروايات الشعبية – حتى في الزوجة.
أما المدينة، فتظل كما هي: حفر تتكاثر أسرع من الوعود، مستشفيات تحتاج إلى إسعاف، مدارس تدرّس الصبر أكثر من المناهج، وشباب يتقن فن الانتظار أكثر من أي مهارة أخرى.
لهذا، يا سادة فاس المنتخبين، نسألكم بكل أدب ساخر: ماذا قدمتم فعلًا غير الخطب؟
أين هي الحصيلة التي تليق بمدينة ليست مجرد خزان انتخابي، بل تاريخ وحضارة وكرامة بشر؟
فإن كنتم عاجزين عن الدفاع عن قضاياها، فالتنحي أحيانًا أكثر وطنية من الاستمرار، والرحيل قد يكون أرحم من البقاء.
لأن المنتخب الحقيقي لا يُقاس بعدد اللافتات التي تحمل صورته، بل بعدد المواطنين الذين يشعرون أن حياتهم أصبحت أفضل بسببه.
أما من يعتبر السياسة مجرد مشروع شخصي للترقي الاجتماعي، فالأفضل له أن يفتح مقاولة ، على الأقل هناك، الزبون يستطيع أن يشتكي مباشرة.