إنجاز: د الغزيوي أبو علي
د بن المداني ليلة
تقديم:
إن الحداثة هي صيغة مميزة لحضارة تتعارض مع التقليد، أي مع العرف والثقافة السالبة، لأنها هي ثورة جغرافية وتاريخية وفكرية جعلت الإنسان مركز الكون والوجود، (كما يرى جون بودريار في كتابه “الحداثة” 1988 ص424)، فهي تحيل على الواقع والتفكير والتغيير بكل قطاعاته دون أن تعني ذلك القول بالتزامن في التجول، فالحداثة هي إشكالية مرجعية زمكانيا بوصفها صفة تاريخية في العصور القديمة والنهضوية ويقول محمد بنيس في هذا الصدد <<يأتى ابتكار الحداثة في أواسط القرن التاسع عشر الأوروبي ليبدل مرتكز الحديثين في أوساط القرن السابع عشر واصلا بين معناه والأفكار الفلسفية والعلمية الجديدة التي قوضت ما سبقها ومبدلا في أن مفاهيم اللغة والتجربة والجمال في الحقلين الفلسفي والفني>>، علال حجام، قراءة في الخطاب الميتالغوي عند أدونيس – كلية الآداب الرباط – ص31، إذن ليس من قصدنا أن نتناول هذا المفهوم، بل هدفنا أن نربطها بتطورات المجتمع المغربي الذي يعيش الحداثة دون وعي مركب، لأن هدف الحداثة المعولمة هي بناء إنسان مستلب ومستهلك، وولادة نخبة التي تقود المركب دون كلام، هكذا عملت هذه النخبة التي يمكن تسميتها بأهل الصبوة، تمزج بين ما هو ثقافي وما هو سياسي دون جعل هذا الإنسان هو الفاعل، بل هو المنفعل، ونسبي وغير مدني، لذا يتعذر الحد الفاصل في هذا الموضوع بين من يفكر وبين من يستقبل، وقد تؤدي هذه المقارنة إلى تفضيل الأقلية على الأغلبية، فالأغلبية تتسم بالغباء والجهل المقدس حسب رؤية الأقلية، لأن هدفها هو الحياة، وهذا التصور هو بمثابة تأثيث درامي لهم، ولم يبلغ مدنيته هذه إلا بتجاوز أدوارا خطيرة اندثرت معالمها وغابت معظم أخبارها عن أعين التاريخ المصطنع، لذا تعمل النخبة بالدفاع عن نفسها بصورة مستديمة في وجه ما يحيط بها من العالم المتوحش أو في وجه مجتمع آخر يزاحمهم ويهددهم، يعني أن قوى الشعب تتصرف أولا إلى التضامن السياسي بين الأفراد وتأسيس النظم العسكرية لدفع العوادي ولضمان السلامة كما يرى عبد الرحمن الشهيندر في كتابه “القضايا الاجتماعية الكبرى في العالم العربي” ص24.
وانطلاقا من هذه الكنانية أخذت الحداثة طابع استكشافيا عن طريق البنك الدولي والصندوق الدولي لكي تجعل الدول في مأزق أنطولوجي واقتصادي وثقافي واجتماعي، وخلق صراع العادات والثقافات والتغيرات على مستوى البنية والطقوس، كما يرى بودريار في كتابه المذكور ص424، فالحداثة حسب النخبة الحاكمة هي إعطاء الحرية وانبثاق القوانين المشرعنة وترسيخ سياسة المراقبة والاحتكام للسلطة الحاكمة، هكذا تعمل الحداثة في العالم العربي في بعدها القائم على حرية التفكير اللاذاتي، لأنها هدفها حسب صناع القرار هي الهيمنة وبناء قصور رملية تتحكم في السلم الاجتماعي والاقتصادي دون جعل البنية الذهنية الاجتماعية تتحول في سلطتها المكتسبة ولا تنمو على حساب المعطى الموضوعي، لذا برى لينين <<لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية>>، إذن نطرح السؤال التالي كيف يحدث الاستغلال الرأسمالي؟ سؤال ماهوي يقربنا من عدم الهذيان البدائية الرهيبة في فهم العالم، لذا فالمثقف العربي رغم تكوينه الثقافي والإنساني قادر على التعبير على مد جمهور واسع بمفاتيح فهم العالم الاجتماعي وعلى هذا النحو مساعدة لا السياسيين مباشرة، بل الناس العاديين على التحرر من إكراهات الهيمنة، وكانت تلك الفترة أيضا هي الذي بدأ فيها بورديو يعبر صراحة عن مساندته حركات اجتماعية مثل حركة عمال سكك الحديد المضربين سنة 1995، كما يقول سيرجر بوغام (ممارسة علم الاجتماع – تر – منير السعيداني ص206)، وهذا الموقف العلمي الاجتماعي هو ما يقربنا إلى فكر فوكو الذي يميز بين المثقف الكوني والمثقف النوعي، فالكوني يوافق حسب فوكو الكلاسيكي الملتزم والمدافع عن الجندي دريفوس أو الملتزم خطى جان بول سارتر الذي كان يأمل في اتخاذه موقف لإبراز القيم الإنسانية والاجتماعية، لذا يفسر هذا المفهوم الحداثي الخاص للتفكير العلمي والاجتماعي بالفكرة التي ظل بها شديد التعلق على الدوام والقائلة بوجود استغلال نسبي للفكر العربي بالنسبة للعلوم الاجتماعية أن ليس بمقدور النخبة أن يظل بعيدا عن الإحساس بالتبعيات السياسية والإيديولوجية التي لأعمالهم، وأن يحجم كليا من الخوض في ما تشهده الخريطة العربية من تطورات مأساوية أقل ما يمكن أن ينتظر منه حسب ريمون أرون، فالشعوب إذا لم تنخرط في الفعل السياسي لا نعرف أسس اللعبة المفبركة لأن غاية النخبة في نظري هي المصلحة الخاصة دون المصلحة العامة، وهذه العلية الخاصة هي عينية لصناعة الإنسان المستلب دون رؤية عقلانية، بينها النوعي الذي يعترف به اجتماعيا، بحيث يتخذ فكره سياسيا كمشروع اجتماعي وفلسفي وطموح شمولي، حيث يحق له التدخل في كل المشاكل التي يفرزها المجتمع، ويرفض الحضور على كل جبهات الفكر ويحاكم بشدة كل أشكال التجريب الإنشائي كما يقول سيرجر بوغام ص207، فالمثقف لابد أن يحلل العلل الاجتماعية والصراعات الحزبوية لكي لا يتخندق في عقيدة ذات نبوية، ويقول بورديو <<وإذا كان أكثر قدرة على كشف الآليات التي تدين لبعض فعاليتها بكونها غير معروفة ولذا يمس أسس العنف الرمزي>> ممارسة علم الاجتماع ص207، إذن تقتضي أطروحتنا في هذا المقال والأجزاء المتتالية بأن أصالة المثقف العضوي لم تكن تظهر فقط في انكبابه على إشكالية الواقع في بعده الثقافي والسياسي، بل هي كذلك من حيث إنه ربط الفكر باستراتيجية معرفية شاملة للعقل النقدي تشمل السياسات المدنية والأمنية المتعلقة بالاستقرار والحرية والأخلاق والتكوين الإبداعي الثقافي في علاقتها بالحياة المعيشية عامة، وبين الخلاصات أنا الثقافة هي فهم بنية المعنى والترميز في حياة المجتمع، لأنه أمر جوهري بالنسبة للمثقف وليس السياسي، واستشراف معنى أفضل لمستقبل المجتمع، بشكل يسمح بالاتجاه نحو بناء مجتمع ديمقراطي وحضاري يتأسس على قوة التملك دون تكريس الفوارق الطبقية بين الدول والشعوب، فالثقافة الملتزمة هدفها حرص على تأسيس معرفة متمثلة بكيفية دينامية للتفكير النقدي والتأويلي، وكفضاء مؤسساتي لإنتاج المعرفة والقيم السياسية التي تراعي المواطن والوطن، فتشكيل سياسة ملتزمة وتأويل جزء من سياسة فضاء عمومي ومجال المعيش المشترك، ويتم تطويرها وتدبيرها داخل فضاءات مدنية لإنتاج معرفة ملتزمة، وفضاءات التأهيل وتنمية قدرات التفاعل السوسيو ثقافي، بدء بفضاءات اجتماعية ومراكز مدنية وانتهاء بفضاءات تكنولوجية والتي بدأت تمارس هيمنتها لتوسيع سلبياتها في التثقيف والتأطير، وتزويد كافة المثقفين بالمادة الاجتماعية، ويقول عز الدين الخطابي ورفيقه عبد الحق منصف في هذا الصدد:<<لم تفرز الحداثة الفكرية توجها هرمينوتيقيا واحدا يستهدف بعث المعنى من داخل الرمزيات الثقافية، بل أفرزت توجها أطر يستهدف تعرية هذه الرمزيات وكشف أوهامها الداخلية بالإحالة على أنظمة مرجعية داخل الطبيعة البشرية، نفسية لا شعورية مع فرويد، بيانات اقتصادية واجتماعية مع ماركس قيمية أخلاقية مع نيتشه>> (في تأصيل العقل التأويلي) ص114، فالمثقف ينبغي أن لا يظل صامتا ولا ساكنا في برجه العاجي، بل لابد أن يحس بالهامش لكي يعرف وضعه الإنساني لتكسير مركزية السلطة كما يرى جاك ديريد، لأن التاريخ مجال نظري ومشروع إصلاحي في بناء الواقع الممكن، فاختلاف ثقافة خاصة أو بلورتها ودعمها هما خاصيتان أساسيتان ملازمتان للمجتمعات العربية وحدها المؤسسة الثقافية والإيديولوجية السياسية والاقتصادية القادرة على كبح جماح هذا الطرح الارتودوكسي الذي يمارسه المثقف الغربي على العربي، لأن المثقف الغرباني ينظر إلى إفريقيا من فوق لأنه يملك ترسانة اقتصادية وعلمية وعسكرية ونقدية، لذا يمارس هيمنته بأريحية في شؤون الدول العربية، والتصرف والتفكير في الأسواق العابرة للقوميات من أجل ترسيخ حرية الاحتكار والخوصصة والاحتكام لصندوق النقد الدولي، كل هذا من أجل اختيار المصير ومن أجل الانفتاح على معطيات التقدم الغربي والحضاري وهذا التصور المركزي الغربي سواء في بعده الدولي أو المركزي والمتعلق بضرورة تشييد صرح حياة ليبرالية رأسمالية مشتركة بحكم التعميم اللامتكافئ للمعرفة والتمتع اللاعادل بعقوق المواطنة، ولكن ينبغي ألا يفوتني الإشارة إلى كون دلالة الحداثة العربية هي بمثابة خطاب كولونيا إلى اقتصادي يجعل سلطته هي المركز والمرجعية للذات المفكرة التي بمقتضى ذلك تفكر على حساب الجماعة كما يقول فوكو في كتابه نظام الخطاب ص36، فالدول الغربية أنشأت نظام سياسي بيوقراطي تمركز حول الذات، عارضا براعته الحداثية كممارسة استغلالية المبنى على القلق وعدم الاستقرار الاجتماعي والأزمة، لذا ولد الربيع العربي لكي يؤسس للعقل العربي قانونه الصارم وليصبح سيد مصيره فكان للسلطة الحاكمة الديكتاتورية دور في إضفاء هذا السلوك المفروض على الإنسان البسيط، دون اعتبار للإنسان وفعاليته التاريخية وتأكيد حريته ومسؤوليته كما ترى خالدة سعيد في مقال لها بمجلة فصول 3ع – 1984 ص27 فهذه المسلمات المرفوضة هي التي ترى أن الإنسان العربي مجرد حدث يدل على التسمية أي مجرد استبدال في دلالة الهوية، وقد حدد المثقف العربي نفسه في إطار هذه المسلمة بوصف أثر مستلب من طرق القوى الكبرى، لذا لا يمكن فهم مستوى من المستويات دون إدراك علاقاته بغيره كما يرى جابر عصفور (مشكلات التراث) مجلة فصول ع1 1980 ص74 – 75، إذن فالمثقف أن يكون الفاعل الاجتماعي وأن يؤسس إيديولوجية مضادة للسلطة بوعي نقدي وبمعايير داخلية وهذا ما طرحه غرامشي هل يشكل المثقوف طبقة اجتماعية مستقلة قائمة بذاتها أم أن لكل طبقة اجتماعية فئة متخصصة من المثقفين؟ سؤال جوهري يجعلنا نقترب من مشكلة المثقف العضوي الذي ينخرط في الزمن اليومي والمعيشي، دون السقوط في الاغتراب للذات وعن الماضي، وإنما معرفة التناقضات التي تعيشها الطبقة الكادحة رغم التغيرات، ما هو المؤسساتي (حزب الاستقلال – الاتحاد الاشتراكي – الحركة الشعبية – وأخيرا…)؟ فهذه الرحلة الحزبوية هي مساهمة متطورة في نظرية البنى الفوقية، وإن كانت طبيعة هذا الطرح تستدعي وضع هذه المساهمة في سياق عام ابتداءا من تصورات ما قبل حكومة التناوب إلى اليسار الاشتراكي الموحد وانتهاءا بالأحرار، فهذا التصور يملي اختيارا أولا يتمثل في تحديد الإطار العام الذي تندرج فيه الظواهر الثقافية المنكسرة، وأيضا سيادة ثقافة التفاهة في علاقتها بالمعطيات الاجتماعية، وسيؤدى اقتراح بعض العناصر التي تتناول العلاقة بين البنية التحتية والفوقية على أساس أن معطيات هذه العلاقة تمثل المنطق النظري للأزمة التي يعيشها الإنسان اقتصاديا، وأخلاقيا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا، لأن الأفراد بمكانة السبق الانتخابي جعلت الطبقة الاجتماعية تعيش خارج ما هو مؤسساتي نظرا لغلاء المعيشة، وأيضا الزبونية والمحسوبية دون ربط عضوي بين من يملك ومن لا يملك، وهذا الإطار يتطلب عرضا تطبيقيا لتجاوز حدود البعد الليبرالي الذي يهدف إلى تكسير العمومي لإنجاز ما هو خصخصي ومصلحي خاص، وهذا الاستكشاف البلوري لما هو رأسمالي، حيث يتداخل ما يهبط من السقف (الفوقية) مع ينبت من الأرض ولم يعد المثقف العضوي شخصا مسالما، بل وظيفة صارت وحدة المجتمع متمركز في غايته لا في ماضيه ولم يعد ثمة موضوع للدرس ولا للانصياع إلا بمقدار ما تؤشره الوقائع والأحداث لما يكتبه ويدونه، وما دامت رؤيته غير مكتملة، لأن دلته تتضاعف مثل المتوالية الرياضية، فالسؤال: هل بالإمكان تحقيق موقفه دون الأخذ بالاعتبار ما يهدف إليه؟ وكيف يتشكل فكره؟ أسئلة تبحث عن الأنظمة الدلالية للشفرات والعلامات وكيفية إنتاجها للمعنى، فهو الذي يعطي للواقع سلطة فأصبح القياس النموذجي والفكري والنقدي، فالمثقف العضوي يريد أن يوجه الضربات لهذا التمركز الليبرالي من الداخل، وهذا الموقف عبارة عن استراتيجية تقوم على النموذج الجديد الذي يكون فيه الإنسان هو مقياس كل شيءء، فالمثقف إذن يحاول أن يغاير منطق الاستغلال والمحسوبية وكل القضايا التي لا تتطابق مع منطق العقل المتمركز وغير المتناقض كما يرى جاك ديريدا، داعيا إلى دراسة الواقع السياسي والثقافي باعتباره لا نهائي من اختلافات المعنى، لذا حاول تمزيق هذه الرؤية المتعالية برؤية جديدة ويقول الطاهر لبيب في كتابه سوسيولوجيا الثقافة:<<كل طبقة اجتماعية تولد أصلا على أرضية وظيفة أساسية في عالم الإنتاج الاقتصادي تخلف عضويا، وفي نفس الوقت الذي تولد فيه شريحة أو شرائح من المثقفين يزودونها بتجانسها وبعيها لوظيفتها الخاصة لا في الميدان الاقتصادي فحسب، بل في الميدان السياسي والاجتماعي أيضا، وانتشر الهلع في قلوب الناس، فلم يعد أحد يفكر لا في السياسة ولا في السياسي، لأنه محاصر بالظروف الاقتصادية، سواء على المستوى المعيشي أو التعليمي، أو الصحة أو التشغيل، فتولد لديه القلق الوجودي، فلم يعد يؤمن لا بالسياسي ولا بالسوسيولوجي ولا النفسي، همه الأساس هو إيجاد مسكن وشغل وصحة، ولكن هيهات، لأنه يعيش كما قلت الحصار الأسروي، والمعيشي واليومي، إذن أين المثقف وأين السياسي وأين الفاعل المدني كلها أوهام يعيشها في ذهنه وعبر وسائل الإعلام المرقمنة، لأن القاعدة الموجودة بين المدينة والبادية كما تقول بعض الأحزاب هي نقطة انشقاق بين النخبة والصفوة، وبين المهمش حيث يتوسطهما الوسط الاجتماعي بمجمله، فصاحب المعمل الرأسمالي خلق مهندس الصناعة وعالم الاقتصاد السياسي، ومنظم الثقافة الجديدة والقانون الجديد إلى آخره>> ص38، فلا يمكن إذن الحديث عن الثقافة بدون سياسة، لأنها ترتبط بالواقع وتتفاعل معه، فالثقافة هي المعرفة، والسياسة هي القوة، فعن طريق السياسة والثقافة تتأسس الدولة، فالثقافة كما قلت تتصل بالمعرفة، والسياسة تتصل بالواقع، فهذا الأخير ليس كاشفا بالضرورة عن المعرفة، لأن الواقع هو الذي يضرب الثقافة إلى نقصها والحاجة إلى ضوابط وقواعد حركية وفاعلية، لكن لا يعني الفصل بين قطاعات الثقافة أو بين مستوياتها المتنوعة، وهو ما تؤكده كتابات الجابري والعروي، وياقوت المالكي، والديالمي، لأنها بمثابة رؤية كتلوية التي تقوم عليها نظرية البنى الفوقية المرتبطة بالبنية التحتية، إذن فالنخبة السياسية الحالية غير قادرة على تدبير شؤون المجتمع، لأنها أبدعت فوارق طبقية، وبرز القلق اليومي، ومعنى هذا أن ارتباطا لا يعني طبعا أنه مجرد انعكاس لها إذ هو يساهم في تحقيق التجانس الإيديولوجي لا يتنافى مع نوع من الاستقلالية النسبية لبعض مظاهر الإنتاج الفكري، فالسياسي يتدخل كعنصر غير فاعل حالما يتم الانتقال من حلة اليقظة إلى مرحلة التفسير دون ربط معطيات البنية التحتية لهذه الظواهر التي ذكرناها بسياقها التاريخي الاجتماعي، لأن الأحداث المفرزة لا تكتسب دلالتها الاجتماعية دون تحديد الفاعل ودوره فيها، فالسؤال المطروح لماذا يرتبط السياسي بفئة اجتماعية تقليدية دون ارتباطه بالبعد الاجتماعي الكلياني؟ فالسؤال هو التفكير بالصورة قبل اللغة كما يرى جيل دولوز في (فلسفة ما بعد الحداثة ص222)، لأن المثقف لا يتخذ موقفا راديكاليا، بل يخضع بمقتضاه الاختلاف لهيمنة الذاتي، طارحا الاختلاف من حيث إنه لا يمكن أن يكون موضوع تفكير جدلي، فيلقى به في هوة الأسئلة السياسية وحصره في لفظ محدد أحادي المعنى، سجنه داخل الميتافيزيقيا إنه أشبه بالنبت الشيطاني الذي ينتشر في كل مكان، (المرجع نفسه ص256)، فهذا الحكم بما تضمنه من أحكام تقييمية أخذت تظهر بقوة وبأشكال مختلفة عند مفكري الأصولية وقد تكون هذه الفكرة قريبة من كتاب ظاهريات الروح لهيجل والذي يحمل بين طياته عنوان الروح المغترب عن ذاته، لأن المثقف والسياسي يبقى غريبا كصالح في ثمود، يحاول أن يطابق الصورة مع المهمش، من أجل تمييز المدعين، وتمييز النقي عن غير النقي والأصل عن المزيف، (فلسفة ما بعد الحداثة ص257).
يبدو من خلال هذا المقال أن المثقف في المغرب لا يزال يحمل صليب النخبة دون التوجه إلى الفلاح والعامل وإلى الطالب والأستاذ والتلميذ، لأن نشأته تمت بصلة قوية للعالم الخارجي، وبالتالي فإن المهمش والبروليتاري غالبا ما يقوم باستحضار الموضوع اليومي كشيء مجسد، باحثا عن هوية التشابه والتطابق كما ألفها في عالمه الداخلي والخارجي، هنا يتضح أن منطق الهوية والانتماء متغلغل في العقل المهمش بوصفه قانونا مألوفا، أما السياسي فلا يهمه إلا المصلحة الخاصة والتأثير في أصحاب الثفافة التافهة، وهنا من الممكن أن نستحضر تحليل أدورنو لمفهوم عبادة النجم وتحوله إلى سلعة فيتشية، فالجمع بين البعد الإيديولوجي والصياغة الخطابية تعادله عند المثقف ضرورة التعبير عن رؤية العالم كما يقول لوسيان كولدمان تعبيرا له أقوى من الارتباط ولكي يضمن أثر الثقافة للغير لابد أن يصوغ لنا خطابه المعقلن صياغة جديدة تتلاءم مع الوقائع والأحداث التاريخية الملموسة، وبالتالي تحويل الوضع التاريخي في مستوى المشاكل الكبرى الأساسية التي تنتج عن علاقة الإنسان بالآخرين وبالعالم، سوسيولوجيا الثقافة الطاهر لبيب ص57، وخلاصة القول فالمثقف المغربي قادر على خلخلة البنية الذهنية برؤية تحليلية دون صناعة نخبوية كما يرى العطري في كتابه “صناعة النخبة”، ولكي يتضح موقف المثقف وكيفية تجسيده للموقف الحداثي تلزم الإشارة إلى الأوضاع الطبقية التي جعلته أحد أبرز ممثلي اليقظة، تعبر عن تناقضات الحداثة ومفارقتها، ولعل هذا التصنيف التي ذكرته يساعدنا على استحضار الواقع الاجتماعي، والإيديولوجي الذي يبرز فيه موقف المثقف العضوي، إذن نتساءل ما موقف المجتمع من هذه التحولات التي عاشها؟ وكيف يتعامل مع هذه الأوضاع الاقتصادية؟ هل يحس المثقف كما يحس المهمش؟ وهل التيار الاشتراكي الموحد قادر على إخراج هذه القاطرة الاجتماعية من الوحل إلى شاطئ الأمان؟ وهل الأحزاب السياسية الإدارية هي ديمقراطية؟ هل الطبقة التقليدية قادرة على بلورة مفاهيم جديدة؟