حميد طولست
من بين ما قرأت مؤخرا على “النت” حكاية غزو سعيد بن العاص لطبرستان، المنقولة عن تاريخ الطبري (الجزء الرابع/ صفحة 269)، دار المعارف، القاهرة// المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (الجزء الخامس/ الصفحة 7)، دار الكت ب العلمية، بيرو.والتي تحكي: أنه في عام 30 للهجرة، خرج سعيد بن العاص من الكوفة متجهاً الى طبرستان ليغزوها، ومعه مجموعة من الصحابة بالإضافة الى الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير!
وقع حصار سعيد بن العاص وجيشه للمدينة، سأله أهلها الأمان، فأعطاهم على ألا يقتل منهم رجلاً واحداً، ففتحوا الحصن، فقتل جيش سعد الرجال جميعهم وسبى النساء والأطفال واستولى على أرضهم ونهب وسلب أموالهم! وكان من ضمن هذا الجيش الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وسبطا الرسول، وابن عباس حبر الأمة الإسلامية، وعبد الله أحد أبناء عمر بن الخطاب “الفاروق والخليفة العادل”، وعبد الله أحد أبناء الزبير بن العوام “حواري النبي وأحد المبشرين بالجنة”، وصحابة آخرين! بالإضافة الى أن الحاكم في ذلك الوقت كان أحد الخلفاء الراشدين وأحد الصحابة المقربين والمبشرين بالجنة وذو النورين، وهو “عثمان بن عفان”.
بعد قراءة هذه الرواية ،غمرتني الشكوك ، وداهمتني الظنون المشبعة بالتساؤلات المحيرة، أمثال : هل الصحابة معصومون من الأخطاء ؟ وأن تصرفاتهم خارج نطاق المساءلة؟ وهل يمكن تنزيههم من مسؤولية ما قام به الجيش من تقتيل في هذه الغزوة وغيرها ؟وهل هم بشر مثلنا يصيبون ويخطئون؟
فإذا افترضنا صحة هذه الرواية ، وقبل الحكم على الشخصيات التاريخية المذكورة بها ،لا بد من أن تتم قراءتها كرواية تاريخية بمنهج نقدي متزن، يراعي مصادر الرواية، وسياقها، ومدى صحتها ، ودراسة أحداثها وفق أسس علمية بعيدًا عن التعميمات العاطفية ، لأن الروايات التاريخية، خاصة تلك التي دونت بعد عقود من وقوع أحداثها، ليست بالضرورة دقيقة أو مطلقة الصحة ، ومن الضروري التحقق من صحة واقعها ومدى ثبوتها في كتب التاريخ الأخرى، ومدى قوة إسنادها ومطابقتها لمصادر أكثر موثوقية، وحتى لو ثبتت صحة الرواية، فإنه لا يجب الحكم على الشخصيات التاريخية المذكورة بها ن وتقييم أدوارهم في الأحداث من منظورنا المعاصر دون مراعاة سياقاتها التاريخي ، وهل كانوا مشاركين فعليًا في القرارات والتنفيذ، أم كانوا ضمن الجيش فقط دون مسؤولية مباشرة عن الحدث؟ كما يذكر التاريخ أحيانا كثيرة أسماءً لقادة ، دون تحديد أدوارهم بدقة في حملات عسكرية حسب سياق الحروب في ذلك العصر: الفتوحات الإسلامية كانت جزءًا من التوسع السياسي والعسكري، ولم تكن مفصولة عن سياق الحروب الإمبراطورية في ذلك الزمن ، الذي كانت فيه الأساليب الحربية قاسية وفق معايير اليوم، لكنها كانت طبيعية في ذلك الوقت، حتى بين القوى الكبرى.
وهذا لا يعني بالضرورة تنزيه كل هؤلاء الصحابة وأولاد الصحابة من مسؤولية ما قام به الجيش من قتل الرجال جميعهم وسبي نساءهم واستعباد أطفالهم والاستيلاء على أرضهم ونهب وسلب أموالهم ،لأن كل الصحابة ليسوا معصومين من الأخطاء، لأنهم بشر يصيبون ويخطئون، وتصرفاتهم ليست خارج نطاق المساءلة ، إلا عند بعض المذاهب التي لا يهمها غير الانتصار لصورة الإله الذي يناسب توجهاتهم –كما يقال- ويضمن لأصحابها السلطة والجاه ، كأبرز دوافع كذب رجال الذين على البسطاء من الأتباع والجهلة..