عبدالحفيظ الحيكي
طالب باحث في الحكامة الترابية وتدبير الشان المحلي
ملخص :
لقد اثبتت الكثير من التجارب السابقة في تدبير المجال الترابي، محدوديتها على مستوى الحكامة الترابية ، وظلت غير قادرة على تحقيق اهدافها وغايتها الأساسية ، وهي إفراز ديمقراطية ترابية حقيقية وتحقيق التنمية ، في المقابل نجدها قد كرست تفاوتات عميقة وأزمة شمولية متعددة الأبعاد وألقت بظلالها على المستوى الترابي حال دون تحقيق التنمية المنشودة.
ومن خلال هذا المقال نسعى إلى مناقشة الأبعاد والمقاربات التي جاء بها النموذج التنموي المعتمد ببلادنا من جهة وإبراز أهميته من جهة أخرى ،فيما يخص الانتقال من التنمية المعطوبة الى التنمية المطلوبة والتي يتطلع إليها المغرب ملكا وشعبا وخاصة بعدما بدأت بلادنا في تنزيله في إطار بناء أوراش وإصلاحات كبرى وارتباطها بالتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم.
مقدمة :
إن التحولات المتسارعة التي عرفها العالم ولازال يعرفها ، في ظل العولمة والتقلبات التي طالت مختلف الأنظمة العالمية فيما يخص تغير القوى الاقتصادية والسياسية ، دفع بمختلف دول العالم الى تبني مقاربات وقيم تدبيرية للحفاظ على مصالحها ومواصلة إصلاحها نحو تحقيق التنمية بمختلف ابعادها وتجلياتها. والمغرب بدوره قام بتبني مقاربات مهمة تزامنا مع ترسيخ نظام اللامركزية الإدارية منذ فجر الاستقلال وكان آخرها اعتماد نموذج تنموي جديد بطلب من قائد البلاد جلالة الملك محمد السادس ، قائم على قيم وآليات ناجعة لتدبير المجال الترابي، وضرورة إعادة النظر في الأسس المعتمدة في التنمية المحلية المستدامة كغاية وهدف تسعى الى تحقيقها كل الشعوب قصد الرقي بمجالاتها الترابية الى موقع أكثر جاذبية وتنافسية .
إن التوجه الجديد المرتكز على التنمية المستدامة وتقوية موارد المجال الترابي ، باعتبارها ركيزة ومنطلقا للتنمية المحلية المنشودة المنتجة للثروة ، ونخص بالذكر كيفية تحديدها واستغلالها وبتدخل كافة الأطراف المستعملة للتراب ، لن يتأتى إلا بتبني نموذج تنموي جديد يروم تجاوز كل المقاربات التقليدية والضيقة السابقة التي أبانت عن محدوديتها في بلوغ التنمية المحلية وبناء مجال ترابي قوي يراعي مستوى عيش افضل للسكان. وعليه يستدعي منا لفت الانتباه والنظر الى النموذج التنموي الجديد كخارطة طريق لبناء مغرب الغد من جهة، وكذا بكونه أحد المقاربات النوعية المستجدة للاشتغال على المواضيع والإشكاليات المجالية ، التي تفرض تبني سياسات فعالة ومتكاملة تراعي الخصوصيات الثقافية والإمكانات البشرية والمادية للتراب المحلي .
يعتبر تشخيص العلاقة والترابط بين التنمية الترابية والنموذج التنموي الجديد هما الكفيلان بتوضيح مشروعية المشروع الترابي من جهة، ومدى قابليته للتطبيق على أرض الواقع بعيدا عن المقاربات الضيقة وغير المندمجة مع متطلبات وحاجيات المواطن ومع الخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحلية من جهة أخرى.
في هذا السياق يأتي هذا المقال لفتح وتعزيز نقاش أكثر بخصوص علاقة النموذج التنموي الجديد المعتمد كإطار محدد لمجموعة من التدابير الإدارية والسياسية في مجال إعداد وتنظيم التراب الوطني ، وواقع التنمية المحلية الترابية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها.
إن الأهمية التي يكتسيها النموذج التنموي الجديد في علاقته بتحقيق التنمية الترابية المحلية من خلال تثبيت وترسيخ الديمقراطية التشاركية والتمثيلية ، تدعوا إلى البحث والدراسة في مضمونها ومقاربتها ، خاصة وأن جدلية الممارسة والتطبيق بين عملية التنمية المحلية والنماذج التنموية المعتمدة تعتبر من أهم المواضيع ، التي يجب إيلاءها مكانة مهمة ، باعتبارها ليست وليدة الصدفة بل هي عملية تفاعلت فيها عوامل عديدة أنتجت في النهاية نموذجا محددا، وفي هذا الإطار فموضوع الدراسة وأهدافها تثير العديد من التساؤلات تتمثل أهمها في الإشكالية الأساسية وهي :
ما هي علاقة النموذج التنموي الجديد تبعا للعوامل المتحكمة فيه بالتنمية الترابية المحلية في ظل التقلبات والأزمات التي يعرفها المجال الدولي و المجال الترابي الوطني بشكل خاص المرتبطة بالتنمية ؟
ومن منطلق هذا الطرح يمكننا إثارة تساؤلات هامة تتمثل في:
- كيف يمكن إعادة النظر في الآليات والمقاربات من مسألة التنمية ؟
- ما هو موقع المقاربة الترابية والنموذج التنموي الجديد من مسألة التنمية المحلية ؟
- إلى أي حد يشكل النموذج التنموي الجديد نموذجا جيدا في النظام الإداري والسياسي والمجتمعي المغربي لاتخاذ قرار منتج للتنمية وخلق الثروة؟
- ما أهمية التشاركية والتخطيط الاستراتيجي في النموذج التنموي الجديد ؟
فرضية البحث :
تحقق الديمقراطية التشاركية التي نادى بها النموذج التنموي الجديد كما جاءت في الدستور تنمية مجالية مستدامة وذلك بفعل تدخلات مختلف الفاعلين الترابيين لإشباع حاجيات ورغبات الساكنة .
ويدخل ضمن هذه الفرضية بعض الفرضيات التالية:
- نفترض أن مناقشة الموضوع بالدراسة والتحليل تساهم في خلق قيم ومقاربات من شأنها التحكم اكثر في التنمية الترابية المحلية المستدامة عبر تخليق وتعزيز نموذج تنموي متكامل يستجيب لمختلف حاجيات المجال الترابي الوطني ويراعي كل التغيرات والأزمات المجتمعية.
- نسلم بأن الدستور الحالي و القوانين التنظيمية للجماعات الترابية الثلاث ( 111.14و 112.14 و 113.14) الحالية تعزز وتساهم في إنجاح النموذج التنموي وتحقيق التنمية المحلية في ظل ورش الجهوية المتقدمة.
نفترض بأن هناك علاقة ترابط بين اعتماد جهوية متقدمة والعمل على خلق تنمية محلية عبر النموذج التنموي يراعي خصوصيات الوحدات الترابية الثلاث على صعيد كل المستويات (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافي والبيئية …) في ظل الأزمات والتقلبات الي تطبع التراب الوطني .
- نفترض بأن برامج العمل والمخططات التنموية القائمة على التشاركية والتخطيط الاستراتيجي، و التي تدخل في اختصاصات المجالات الترابية من شأنها تحسين جاذبية وتنافسية التراب من جهة وتقليص التباينات والاختلالات المجالية بين مختلف الوحدات الترابية.
منهجية الدراسة :
مما لاشك فيه أن أي دراسة علمية تستلزم مجموعة من المناهج التي تساعد وتساهم في البناء والوصول الى معرفة علمية دقيقة، ونحن في دراستنا لهذا الموضوع ونظرا لطبيعة الإشكالية والأهداف المتوخاة منها فرض علينا المزج بين مجموعة من المناهج على رأسها اعتماد المنهج الوصفي والتحليلي ، وذلك من خلال تحليل الإطار المفاهيمي لمسألة التنمية المحلية وارتباطها بالنموذج التنموي الجديد ، وكذا الخصائص والقيم التي جاء بها ، إضافة الى وصف اهمية والدور الذي سيلعبه النموذج التنموي الجديد في تحقيق التنمية المحلية المستدامة .
لمقاربة الإشكالية الرئيسية والأسئلة الفرعية سنعتمد مطلبين اساسيين على النحو التالي :
المطلب الأول : النموذج التنموي الجديد كاستراتيجية تنموية لتحقيق التنمية الترابية المندمجة و المستدامة
المطلب الثاني : التخطيط الاستراتيجي والتشاركية آليات ناجعة لهندسة وتنزيل النموذج التنموي الجديدة
المطلب الأول: النموذج التنموي الجديد كاستراتيجية تنموية لتحقيق التنمية المستدامة
تفرض التحولات المتسارعة التي يعيشها عالم اليوم على مختلف المستويات ، قيم تدبيرية مجالية تربية جديدة، كما تفرض إعادة النظر في الأسس المعتمدة في التنمية المحلية المستدامة كغاية تسعى لتحقيقها كل الشعوب قصد الرقي بالوحدات الترابية إلى الأفضل وأكثر تنافسية وجاذبية .
وعلى هذا الاساس والحاجة كان من الضروري تبني مقاربة وتوجه جديد كاستراتيجية جديدة تتقاطع مع كل المقاربات السابقة، معتمدة على وسائل و آليات تدبيرية ناجعة وفعالة ، ترتكز على بناء تراب مستدام تنافسي ( الفقرة الأولى)، وباعتبارها كخارطة طريق من أسفل نحو القمة لرفع مظاهر الهشاشة التي تطبع المجالات الترابية( الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: النموذج التنموي الجديد وتطلعات بناء تراب مستدام وتنافسي
يرتبط مفهوم التنمية عموما والتنمية الترابية خاصة بمجموعة من المفاهيم كحياة أفضل ، حياة كريمة ، التقدم والتطور ، الديمقراطية …، هذا و يمكن تعريف التنمية بأنها السبيل الذي من خلاله يسعى الإنسان إلى تغيير الظروف والواقع في سبيل تحقيق العيش الكريم ، وتشمل هذه العملية استثمار وتطوير الموارد وإقامة التنظيمات اللازمة وبلورة المفاهيم والتصورات التي تؤدي مجتمعة وبشكل فعال إلى حياة أفضل في جانبها المادي والمعنوي .
يروم النموذج التنموي الجديد إلى بلوغ التنمية الترابية الشاملة بأبعادها المتعددة ، كمقاربة افقية ومن أسفل كمنهح ومقاربة تنموية جديدة ، شمولية ، ومواطنة لإعداد التراب ، إلى تحقيق تنمية مندمحة ومواطنة وتوفير محيط ملائم يمكن من تقوية القدرات الفردية والجماعية في إطار مبادرات محلية تهدف بالأساس تعبئة الموارد الترابية المحلية المتاحة والكامنة ، واستثمار المقومات الذاتية كشرط للتكيف مع المستجدات وتحقيق التأهيل الذاتي ، ولإحداث تغييرات جدرية في مجتمع معين وإكسابه القدرة على التطور المستمر ، والمساهمة في تشكيل تراب صحي سليم ومستدام ، أي تنمية ذكية مستدامة متوازنة تتطلع لتحقيق تقدم ترابي يتميز بحياة كريمة ومنصفة لكافة شرائح المجتمع المغربي ، من خلال تلبية الحاجيات الأساسية للساكنة وإرضاء طموحاتهم وتحقيق إنتظاراتهم ضمن حدود الإمكانات .
الفقرة الثانية : النموذج التنموي الجديد كمقاربة من أسفل وخارطة الطريق لرفع مظاهر الهشاشة والإقصاء الترابي
إن ما يعاب على مختلف السياسات العمومية الترابية السابقة هو هيمنة الهاجس الأمني على تدبير التراب والتدبير البيروقراطي مما قامت التنمية على أسس مقاربة قطاعية محكومة بمنطق المردودية الاقتصادية ومبنية على تجزئة التراب ، وقد أثبتت البرامج والمشاريع الترابية ذات الطابع التوجيهي المفروضة من الأعلى عن محدوديتها وعجزها بتحقيق الغايات المرجوة ، وليس هذا فقط وإنما كرست تفاوتات واختلالات سوسيو ترابية ومجالية صارخة ، وأزمة تعددت امتداداتها وانعكست سلبا على المستوى المجالي والاجتماعي ، خاصة مسألة الشعور بالانتماء الترابي والهوية الجماعية ، مما زاد من حدة وعمق مظاهر الهشاشة الترابية .
إن الحديث عن الإنسان لا يمكن أن ينعزل عن الإنسان ، باعتبار هذا الأخير الثانوي بل الأشد تأثيرا وتأثرا ، لذلك فوضعية عدم التوازن تنجم عن عوامل طبيعية وأخرى بشرية كل واحدة تفاقم الأخرى ، مثلا كلما ارتفع عدد السكان إلا وازدادت حاجاتهم من موارد مجالهم مما يؤدي الى الضغط عليها ( تربة ، غطاء نباتي ، مياه ، معادن …) مما يتسبب في تدهور الوسط للمجال ، وأمام عجز التراب على تلبية الحاجيات السكانية وإشباعها تتعمق الهشاشة السوسيو اقتصادية والمجالية ، باعتبار التراب حامل لأنشطة الساكنة وموارده الترابية التي تشكل الرأسمال المحرك لدينامية الجماعة.
لذلك يستدعي تدبير وتنمية التراب الفهم والتدخل العاجل لإعادة الأمور الى نصابها وإصلاح الاختلالات التي طالت المجال الترابي ، وهذا الأمر ليس بالسهل كما يعتقد البعض بل يحتاج إلى الفهم الصحيح والدقيق لميكانيزمات اشتغال الدينامية العامة للتراب من خلال التشخيص الفعال ، ودرجة عالية من المهارات الفنية والتقنية والتخطيطية لإعداد التراب الاستراتيجي والمتوازن ، هذا ما يؤسس لمسألة ضرورة استحضار التنمية الترابية المحلية كاستراتيجية مميزة للتدخل، تنطلق من الوضعية الخاصة للمجال الترابي وبمقاربة محلية شاملة قائمة على الإلتقائية والتشاركية ، تهدف إلى إيجاد الحلول للمشاكل الاجتماعية ، والعمل في إطار تشاركي مع مختلف الفاعلين والمؤثرين الترابيين الأساسيين ، رهانا لتقوية وتنشيط التراب عبر تنظيم شروط التنمية ، لتجاوز معيقات بلوغ أهداف التنمية على راسها الإقصاء والهشاشة الترابية في بعديها الطبيعي والبشري .
المطلب الثاني : التشاركية والتخطيط الاستراتيجي أدوات ناجعة لهندسة وتنزيل النموذج التنموي الجديد
لقد كثر الحديث في العقدين الأخيرين عن مسألة التخطيط الترابي و إشراك الساكنة المحلية في عمليات تشخيص التراب وتهيئة المجال والتنمية الترابية . خاصة بعدما عرفت جل المشاريع الترابية التي عرفتها بلادنا فشلا وبانت محدوديتها نتيجة نظرتها القطاعية والمركزية ، الشيء الذي دفع للتفكير وبشكل إلزامي استثمار المهارات المحلية عن طريق إشراك السكان في اي مشروع ترابي مما سيساهم في تنزيل النموذج التنموي الجديد ، باعتبار أن مسألة التخطيط و التشاركية إحدى أهم اشكال المسؤولية وأحد الوسائل ضمان لديمومة اشغال تهيئة التنمية وحفظ المواد الطبيعية والبشرية.
الفقرة الأولى : أهمية التخطيط الاستراتيجي في تنزيل النموذج التنموي الجديد
حظي مفهوم التخطيط الاستراتيجي والتخطيط الترابي تحديدا في العقود الأخيرة بكثير من النقاش والاهتمام من قبل الباحثين داخل مختلف الحقول المعرفية ومن قبل مختلف المتدخلين والفاعلين الترابيين المحليين ، إذ أصبحت مسألة التخطيط كخطة تنظيرية لتطبيق الأهداف وتحقيق الغايات وتشكل أبرز الرهانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالكل أصبح واعيا بضرورة التحكم في الظاهرة الترابية بكل مكوناتها وضبط نموها ، بهدف إرساء سياسة ترابية فعالة قادرة على خلق مجالات متوازنة ومندمجة ومحفزة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سياق يحافظ على خصوصيات التراب المحلي .
إن التخطيط الاستراتيجي كمقاربة لمجموعة من الوسائل والإجراءات والأساليب والتدابير التي يتخذها الفاعلون الترابيون لتحويل الواقع لصورة أفضل وأجود مما كان عليه في السابق ، على ضوء الاعتمادات المالية المتوفرة حاليا وبالمستقبل ، وذلك عبر وضع دراسة محينة استشرافية للتراب.
هذا ويشترط لنجاح عملية التخطيط الاستراتيجي وضوح الأهداف وواقعيتها إلى جانب العقلانية والتخصص والاستمرارية والمرونة والابتكارية والتحلي بروح المسؤولية ، عبر وضع مشاريع ترابية ملائمة لظروف التراب ، باعتبار أن التخطيط الاستراتيجي يستدعي التفكير النقدي والإبداعي وبالتالي فهو يعكس القدرة على إدماج مجموعة كبيرة من المعطيات والمعلومات الأولية الظرفية والمتغيرة والمتشابكة متعددة الأبعاد ، ومن هذا المنطلق فالتخطيط الاستراتيجي يقوم على جملة من المكونات يمكن إجمالها اساسا في ؛ مخطط عقلاني وملائم قابل للتنفيذ في حدود الوضع الاجتماعي القائم وإمكانياته ، إحاطة المخطط بكل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية …، قابلية المخطط لمواجهة الظروف الطارئة أثناء التنفيذ بكونها عملية استباقية توقعية .
الفقرة الثانية : التشاركية كآلية ناجعة لتنزيل النموذج التنموي الجديد
أضحى مبدأ التشاركية اليوم إحدى أهم الآليات الأساسية، التي يراهن عليها النظام الإداري المغربي لتنزيل مختلف المخططات والبرنامج التنموية بشكل عام والنموذج التنموي الجديد خاصة ، باعتبارها مقاربة أثبتت نجاعتها وفعاليتها الكبرى ، تجعل الساكنة في قلب كل العمليات والسياسات لتدبير وتنمية المجال الترابي .
ويحيل مفهوم التشارك لغويا وفي مفهومه الضيق إلى التفاعل ، حيث يكون الفعل متبادلا بين الأطراف المشاركة في صنع حدث ما أو اتخاذ قرار معين . أما في مدلوله الشامل وفي إطار الحكامة العمومية ؛ الحوار بين كافة الفاعلين المحليين خاصة السكان ، بإشراكهم عبر مجموعة من المسالك في اتخاذ القرارات والأخذ بعين الاعتبار اقتراحاتهم ، حاجياتهم ، انشغالاتهم ، والتي تهمهم بمعزل عن التأثير الذي يمارس على مختلف المراحل ودرجات الانخراط . ومن هذا المنطلق يمكن القول أن التشاركية عملية لتقييم التراب من حيث المؤهلات الجغرافية ، الجيواستراتيجية ، الطبيعية ، البشرية الثقافية، وكذا المناخ السياسي من خلال تحديد الرأسمال الترابي وتكوين نظرة عامة على وضعية عرض التراب ، وتقييم مدى قدرته على منافسة عروض المجالات الأخرى.
يمكن تلخيص أهداف التشاركية كمنهحية ومقاربة تقوم على إشراك الساكنة في عملية التدبير الترابي العمومي وتدعيم قدرات الجماعات الترابية بربط الأواصر بينها وتجديد الديمقراطية ، باعتبار أن انخراط الفاعلين المحليين في المقاربة المندمجة للتنمية الترابية المستدامة، سيمكنهم من تحصيل مجموعة من الإيجابيات من شأنها تقوي تنافسية التراب وتعزيز جاذبيته ، وتأهيل العوامل الرئيسية لإقامة مشاريع تنموية ترابية متشاور ومتفاوض ومنسق بشأنها بين مختلف الفاعلين وبغض النظر عن اختلاف توجهاتهم واختصاصهم مما يشكل نموذجا أمثلا للمقاربة التشاركية .وبالتالي من هذا المنطلق يمكن اعتبار التشاركية أبرز الآليات المعول عليها لتنزيل النموذج التنموي الجديد على مجموع التراب الوطني، لذلك وجب اعتمادها والاهتمام بها إذا أردنا حقا بلوغ اهداف التنمية المندمجة المستدامة للتراب .
خاتمة:
إن الإقرار بأهمية مقاربة إشكالات التنمية التي يعرفها مجموع التراب الوطني إشارة قوية لنية وصرامة النظام المغربي لتجاوز الوضع والاختلالات التي تطبع المجالات الترابية ،من خلال تبني نموذج تنموي طموح يرتكز من جهة على تشخيص وقراءة عميقة للتحولات الوطنية والدولية التي تلوح في أفق 2035 , ومن جهة أخرى بمثابة خارطة طريق تضم مجموع المقاربات النوعية والمستجدة قائمة على تبني سياسات فعالة وناجعة ، بدءا بتعبئة الموارد والمؤهلات الذاتية لمختلف المجالات الترابية من أجل ضمان الاندماج الفعال والإيجابي وكذا تمكين الجماعات من ممارسات اختصاصاتها بهدف بلوغ التنمية المحلية الشاملة وأيضا لتوسيع نطاق الديمقراطية ببلادنا وترسيخ نظام اللامركزية .
وحتى لا تبقى التنمية الترابية بواسطة النموذج التنموي الجديد مجرد دعاية وحبر على ورق مدرجة في الوثائق الرسمية كسابقتها ولو بنسبة متفاوتة؛ فإن تحقيقها على أرض الواقع لن يتم إلا بإعمال استراتيجيات متكاملة الأبعاد يكون فيها العنصر البشري حجر الزاوية فاعلا ومضمونا وأن يكون التفكير ليس فقط الرفع من الأداء الاقتصاد فحسب بل تحقيق التماسك الترابي ايضا ، وكذلك بناء وترسيخ الشروط المثالية لعيش الأفراد داخل المجتمع ومجالهم الترابي مرتكزة على التآزر والتماسك وتأكيد الهوية والاستقلالية الترابية المحلية .
من هذا المنطلق نثير بعض المقترحات المتواضعة بهدف تعميق النقاش والمساهمة في إبراز أسس من شأنها ستساهم في إنجاح النموذج التنموي المعتمد وهي:
- العمل بالمبدأ الدستوري الذي ينص على التخفيف من حدة الوصاية المفروضة على الجماعات الترابية وتعويضها بالمصاحبة والرقابة البعدية التي ابانت عن نجاعتها في تدبير المشاريع في القطاع الخاص من جهة وتعزيز دور المؤسسات القضائية عملا بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
- تقوية قدرات الفاعلين الترابيين والمنتخبين المحليين في المسائل المرتبطة بالتدبير .
- اعتماد وسائل التكنولوجية الحديثة والكفيلة بتوسيع رقعة تسويق المنتوجات الترابية وجذب رؤوس الأموال بهدف الاستثمار وتشغيل أبناء التراب .
- العمل بآليات الشراكة والتعاون بين الجماعات الترابية داخليا وخارجيا والانفتاح على التجارب الأجنبية الناجحة في عملية تدبير التراب .
- ضرورة انفتاح الجماعات الترابية على محيطها الاقتصادي بخلق مراكز للتكوين تنسجم مع متطلبات التنمية الاقتصادية ، وإشراك الساكنة وكافة الفاعلين الترابيين في مختلف مراحل إعداد مختلف البرامج والمشاريع الترابية .
- نشر وتعميم ثقافة المشروع الترابي المحلي واقتناع جميع اعضاء المجلس الأغلبية والمعارضة على أهمية التخطيط الاستراتيجي والتشاركية ، باعتبارهم آليتين أساسيتين لبرمجة نموذج تنموي فعال ووفقا لمبادئ الحكامة الرشيدة.
- التأسيس لعقلية الجماعة الترابية المقاولة بتفعيل تقنيات التسويق الترابي ، باعتبار الجماعة تهدف للربح من خلال تقديم خدمات القرب في المستوى للزبناء المحليين والعمل على جذب زبناء جدد مما سيقوي من جاذبيتها وتنافسيتها.