حميد طولست
عندما ننظر إلى التصور السلفي للجنة، نجد أنه يخضع لمنظومة معقدة من الفتاوى والقيود التي تكاد تجعل دخولها حكرًا على فئة ضيقة من الناس. وفقًا لهذا التصور، لا يُمنح شرف دخول الجنة إلا لمن توافرت فيه شروط صارمة، غالبًا ما تُحدد بناءً على اجتهادات فقهية مثيرة للجدل. فإذا اعتمدنا على المنهج السلفي المتشدد، فإن الجنة تبدو وكأنها نادي حصري لا يُقبل فيه إلا من اتبع طقوسًا معينة، مثل تقصير الثوب، حلق الشارب، إعفاء اللحية، والالتزام بفتاوى مثيرة مثل “إرضاع الكبير” و”غمس الذبابة” و”شرب بول البعير”. وفي المقابل، يتم استبعاد الغالبية العظمى من البشر، حتى لو كانوا علماء قدموا للبشرية خدمات جليلة في مجالات الطب والهندسة والتكنولوجيا. بحسب هذه الرؤية، فإن علماء مثل نيوتن وأينشتاين وباستور وغيرهم ممن أحدثوا ثورات علمية تسببت في إنقاذ ملايين الأرواح، لن يكون لهم نصيب في الجنة، لأنهم ببساطة “كفار” وفقًا للتصنيف السلفي. وفي المقابل، فإن علماء “المسواك” و”نكاح الرضيعة” و”فتاوى مضاجعة الوداع” هم من يستحقون الخلود في النعيم. الأمر لا يقتصر على غير المسلمين فحسب، بل يمتد ليشمل المسلمين أنفسهم، حيث يتم استبعاد الشيعة والمتصوفة، وحتى العلمانيين والقرآنيين الذين يُتهمون بإنكار السنة. تارك الصلاة في حكم الهالكين، والمدخنون والمستمعون لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ كذلك، وأيضًا أولئك الذين تسقط أعينهم في “النظرة الثانية” إلى النساء الجميلات. ما يثير الدهشة أن هذا التصور لا يرتكز على أسس منطقية أو عقلانية، بل يتم بناؤه على انتقائية غريبة في تفسير النصوص، حيث يتم استبعاد كل من لا يوافق الفكر السلفي بحجة أنه لا يلتزم بـ”الفهم الصحيح” للدين. وبهذا، تصبح الجنة حكرًا على مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين يعيشون وفق تصورات ضيقة، بينما يُقصى منها من قدموا للبشرية إنجازات عظيمة. فإذا كان هذا التصور السلفي للجنة هو الصحيح، فإننا أمام مفهوم غريب عن العدالة الإلهية، حيث يكافأ أصحاب الفتاوى الغريبة، بينما يعاقب من سخّروا حياتهم لخدمة الإنسانية. إن هذا الطرح لا يعكس حقيقة الدين الإسلامي الذي جاء رحمة للعالمين، بل هو محاولة لتحجيم الجنة ضمن إطار فكري ضيق يخدم مصالح فئة محددة والغير مقتصرة على السلفيين وحدهم ، بل نجده عند غيرهم ، اليهود مثلا الذين بشرت كتبهم بـ “العشرة المبشرين بالجنة” ، نا يجعلنا نحتار في من الذي نقل ونسخ خرافة مفهوم انتقائية الجنة والنار ، والتي لا يمكن أن يكون بهذه الانتقائية الصارخة، ولا يمكن اختزالها في ممارسات سطحية تحدد مصير الإنسان الأبدي. فالله وحده يعلم ما في القلوب، وهو الأعدل في الحكم على البشر. أما احتكار الجنة لفئة بعينها بناءً على فتاوى مثيرة للجدل، فذلك لا يعكس روح الإسلام، بل يعكس انحرافًا فكريًا يتطلب مراجعة عميقة. أتمنى أن نرقى بمستوانا. فقوة ديننا وإيماننا تحدده تصرفاتنا وأخلاقنا وكيفية التعامل مع الآخر، فالدين دين التسامح والعيش المشترك، دين المجتمع، دين المساواة والعدل، دين الحق فلنحافظ على مكانته الكبيرة عبر التاريخ، ونترك مسألة الجنة الله وحده الذي هو وحده من يحدد الداخل للجنة والخارج منها، ليس لأي كان مفاتيح دخول الجنة ولا الحق في إصدار لوائح المؤمنين والكفار، وأختم بالمثل الشعبي المغربي العميق” كل شاة كتعلق من كراعها”