استحمار السياسيين للمواطنين

بقلم الاستاذ : حميد طولست 

مع اقتراب المهرجانات الانتخابية، يشتد الصراع السياسي على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتسابق المتنافسون إلى استخدام كل الأساليب الممكنة لتشويه الخصوم. ولعل أكثر ما يثير الاشمئزاز في هذه المعركة هو الطريقة التي يستغل بها السياسيون وعودهم وخطاباتهم المتناقضة لخداع المواطنين، متناسين أنهم أنفسهم مسؤولون عن القرارات التي ينتقدونها اليوم، كما حدث مع فضيحة استيراد الأبقار والأغنام التي فضحها السيد نزار بركات في خرجة انتخابوية مزلزلة للتحالف الحكومي الذي هو جزء منه .
ومن أغرب مشاهد هذا العبث السياسي، هجوم حزب العدالة والتنمية على نفسه وعلى تاريخه في السلطة، وخاصة فيما يتعلق بملف التطبيع مع الكيان الصهيوني. فبعد أن كان رئيس الحكومة الأسبق، سعد الدين العثماني، هو من وقع على اتفاقية التطبيع، نجد اليوم قيادات الحزب، وعلى رأسهم عبد الإله بنكيران، تتبرأ من القرار، وكأن الحزب لم يكن في موقع المسؤولية لحظة التوقيع، أو كأن رئيس الحكومة لم يكن يمثل حزبه عندما وضع توقيعه على الوثيقة.
تبريرات بنكيران لا تخلو من استغباء واضح للمواطنين، حيث يحاول التملص من المسؤولية عبر الزعم بأن العثماني وقع كرئيس للحكومة وليس كأمين عام للحزب، وكأن الفصل بين الصفتين ممكن في لحظة اتخاذ قرار سياسي مصيري كهذا! ثم يأتي ليؤكد أن موقف الحزب من التطبيع كان موضوع بيان صادر عن الديوان الملكي، في محاولة لخلق ضبابية حول المسؤولية الحقيقية عن القرار.
هذه التناقضات ليست مجرد أخطاء سياسية، بل هي منهج متعمد لاستحمار المواطنين، حيث يتم التعامل مع الرأي العام وكأنه ذاكرة سمكية، ينسى بسرعة، ويمكن خداعه بنفس الخطاب الذي خدع به سابقًا. لكن الحقيقة التي لا يريد السياسيون الاعتراف بها هي أن وعي المواطنين أكبر من أن يُخدع بمثل هذه التلاعبات، وأن ما يجري اليوم هو مجرد مسرحية هزلية لا تنطلي إلا على من يريد أن ينخدع طوعًا.
في النهاية، يبقى السؤال: إلى متى سيستمر هذا الاستحمار العلني؟ ومتى سيدرك المواطن أن السياسي الذي يخدعه مرة، سيخدعه ألف مرة إذا لم يُحاسَب على تناقضاته؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *