الأحزاب التي تستعجل الانتخابات: هي قطار بلا وجهة.

حميد طولست 

في لحظة مفصلية من تاريخ المغرب، حيث تعيش البلاد أزمات متراكبة اقتصادية واجتماعية وتشريعية، تطفو على السطح مجددًا نغمة المطالِبة بتعجيل الانتخابات. والمفارقة الصارخة أن معظم الأحزاب المطابة بذلك هذه الأحزاب التي سبق أن لفظها الشارع المغربي عبر صناديق الاقتراع، حين جرّبها ووجدها بلا مضمون، ولا مشروع، ولا بوصلة.
هذه الأحزاب، التي عجزت طيلة سنوات عن إقناع المغاربة ببرامج واقعية أو حلول ملموسة، تسابق الزمن اليوم، لا لأنها استيقظت فجأة على آلام المواطن، بل لأنها وجدت في أزمات الشرق الأوسط وقودًا جاهزًا لتحريك قطارها المتعطل. شعارات جوفاء، دغدغة للمشاعر، وعودة مريبة إلى لغة قومية عاطفية لا تصنع خبزًا، ولا تنقذ مدرسة، ولا تبني مستشفى.
إنها الأحزاب التي تقيس حضورها بميزان المآسي الخارجية، وتستمد قوتها من استمرار المعاناة في أماكن أخرى، وكأن شقاء الآخرين صك غفران انتخابي محلي. فلا حديث عن التعليم، ولا عن الصحة، ولا عن العدالة المجالية. فقط استعراض عضلات خطابية مستوردة من زمن شعارات “الوحدة والمصير المشترك”، زمن لم يعد يسكن إلا في خيال من انتهت صلاحيتهم السياسية.
الغريب أن هذه الأحواب، بدلًا من مراجعة النفس وتقديم نقد ذاتي لأدائها الباهت، تحاول اليوم فرض أجندة انتخابية سابقة لأوانها، وكأنها تُعاقب المواطن لأنه لم يصوت لها، وتمنّيه بحلول لم تقدم منها شيئًا حين كانت في السلطة. لإنها أحزاب تنتمي إلى مدرسة “الهروب إلى الأمام”، مدرسة لا ترى في الديمقراطية أداة للإصلاح، بل فرصة للنجاة من الغرق التنظيمي والسياسي.
والمؤلم أكثر أن هذه المزاعم الانتخابية تأتي في ظرف يتسم بتراجع الثقة الشعبية في المؤسسات، وبتشريعات مثيرة للقلق، كتلك التي تسعى إلى تقييد الجمعيات من محاربة الفساد، في الوقت الذي تتعالى فيه فضائح الفراقشية والشناقة وبياعي الشهادات الجامعية ومبددي المال العام.
في النهاية، حين يصبح رهان بعض الأحزاب على الأزمات الخارجية بدلًا من الحلول الوطنية، ويصبح خطابها قائمًا على التهييج لا التنوير، فإن قطارها حتمًا يسير بلا وجهة. وإن منطق “الساقي سيسقى بما سقى” لا يزال صالحًا، كما في الحديث الشريف: “إن الله يمهل ولا يهمل.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *