بين فساد مُمنهج وإفلات فاضح من العقاب يعبث بصورة الوطن؟

حميد طولست

في مغرب اليوم، صار المواطن العادي يفرك عينيه مرات عديدة في اليوم، لا ليتأكد من أنه ما زال حيًا، بل ليفهم بأي منطق تسير الأمور في هذا البلد. فبينما يُزج بمواطن خلف القضبان بسبب تدوينة قصيرة لا تتجاوز خمس كلمات، يواصل آخرون، متورطون في فضائح موثقة بالصوت والصورة، التمدد في مؤسسات الدولة وكأنهم جزء من بنيتها العضوية.
الصحفي مصطفى الفن عبّر عن هذه المفارقة الموجعة في تدوينة اختزلت حجم الغبن الذي يشعر به كثير من المغاربة اليوم:
“شخصيا أنا جد مصدوم لأني لم أفهم كيف أن هناك أناسا وجدوا أنفسهم خلف القضبان بمجرد كتابة تدوينة من خمس كلمات…
لكن، بالمقابل، هناك أناسا، لهم أمهاتهم في العرس، ارتكبوا كل أنواع الجرائم ولا زالوا أحرارا طلقاء ولا زالوا هم الذين يتصدرون الصفوف الأمامية كما لو أنهم “جزء” من النظام العام من استقرار البلاد أيضا”.
كلمات الفن تصفع واقعًا تتقاطع فيه السلطة والمال والرياضة والنفوذ السياسي، فتنتج ما يمكن تسميته بـ”شبكات فوق الدولة”، حيث لا يسري القانون، بل تتدخل الحماية، ويُعاد ترتيب الأوراق بما يُرضي مصالح معقدة في مجتلف المجالات حتى الرياضة منها، والتي من المفترض أن تكون فضاءً للروح الرياضية والتنافس الشريف، تحوّلت إلى مرآة عاكسة لفساد مستشرٍ، يعكس صورة مقلقة عن بنيات الدولة نفسها. ويكفي أن نذكّر، كما فعل الفن، بأن بعض كبار المسؤولين على كرة قدم إما يقبعون اليوم في السجن أو تطاردهم ملفات ثقيلة، دون أن يمنع ذلك استمرار نفس النهج ونفس الوجوه.
ولعلّ إقرار أحدهم علنًا، في “قضية التلاعب في نتائج المباريات،” “وأمام الكاميرات، تبقى شاهدة على هذا العبث المؤسسي:
ماذا حدث له بعد اعترافه؟ لا شيء. بل تمت ترقيته وواصل الحضور في الصفوف الأمامية، محميًا بمن يدافعون عنه، أو ربما بمن يخشون كشف ما هو أعظم.
لكننا اليوم أمام فضيحة أخرى أكثر خطورة، بطلها رئيس نادٍ رياضي ، تم ضبطه في حالة تلبس بمحاولة شراء مباراة لضمان الصعود.
ما يُثير الذهول أن هذا الشخص لا يمثل فقط ناديًا محليًا، بل يحتل مواقع حساسة داخل الجماعة المحلية، بل ومسؤولًا عن تأهيل منشآت رياضية موجهة إلى استحقاقات كبرى مثل مونديال 2030، وهو حدث يحظى باهتمام مباشر من جلالة الملك.
فمن يجرؤ على تقويض أجندة ملكية بهذه الانحرافات القاتلة؟
ومن يملك الجرأة ليضع صورة المغرب، وهيبته الدولية، في مهبّ الشك والسخرية والمساءلة؟
المثير أن من يورّط نفسه في هذا المستنقع لا يشتغل غالبًا منفردًا. بل تشير القرائن إلى وجود شبكة ذات نفوذ، تحميه وتوزع الأدوار، وتحرّك مفاتيح القرار داخل المجالس المنتخبة ومؤسسات التوزيع والدعم والصفقات.
ولأن الجريمة في بلادنا لم تعد تعني الاختلاس فقط، بل صارت تشمل أيضًا تبييض الجناة، والتطبيع مع الفساد، فإن بعض الاتفاقيات التي يصادق عليها مجلس مدينة بحجم الدار البيضاء، تخرج من النافذة في صيغ مشوهة بعد تدخل عناصر هذه الشبكة.
بل جرى، كما يشير الفن، تجريد الإدارة الترابية من دورها في الأمر بالصرف، وتحوّلت ميزانيات ضخمة إلى ما يشبه الغنائم التي تتقاسمها الشبكات النافذة في الخفاء، بتواطؤ أو بصمت مدوٍ.
إن ما يحصل ليس مجرد تجاوزات معزولة، بل علامات على اختلالٍ هيكلي يمسّ بنية الحكم المحلي ومصداقية المؤسسات.
وإن الصمت عن هذه الظواهر، خاصة في لحظة مفصلية تتأهب فيها البلاد لأحداث رياضية كبرى، ليس فقط تواطؤًا، بل خيانة لصورة المغرب، ولثقة أعلى سلطة في البلاد في هذه التحضيرات.
فإما أن تكون الدولة جادة في محاربة الفساد، وتفتح ملفات هؤلاء دون محاباة، أو أن نواصل خداع أنفسنا بشعارات النزاهة، بينما تنهش الدولة العميقة لحم البلاد باسم الاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *