عبد الكريم بالرشيد
فاتحة الكلام
هناك اليوم كثير من النقاد ومن الباحثين من يكتب عن الاحتفالية، وذلك في كليتها و.شموليتها، وفي معناها الفلسفي العام، وهم في كتاباتهم يقصدون المسرح الاحتفالي فقط، اي الجزء دون الكل، والفرع دون الأصل، فهل هذا سوء فهم ام هو سوء تفاهم، ان هما معا؟
فنحن نتحدث عن الاحتفالية، باعتبارها رؤية للعالم، وهم يتحدثون عن المسرح الاحتفالي، وذلك باعتباره صناعة من الصناعات الجمالية، واي حوار يمكن ان يكون حوارا سليما اذا لم ينطلق من نفس المعنى ومن نفس القصد ومن نفس اللغة ومن نفس المعجم اللغوي؟
ونحن نتحدث عن الاحتفالية باعتبارها فكرا وعلما وفقها، وهم يتحدثون عن اختيار مسرحي، وعن صيغة مسرحية، والتي هي مجرد جزء بسيط جدا، وذلك في الرؤية الاحتفالية وفي الفلسفة الاحتفالية وفي الحركة المسرحية وفي المسار الفكري والعلمي والجمالي و الأخلاقي الاحتفالي
شيء مؤكد ان من لا يعرف اللغة الاحتفالية الفردوسية، في سعتها و غناها، لا يمكن يدرك حقيقتها ابدا، ولا يمكن ان يصل إلى اسرارها الخفية ايضا
شيء اخر، وهو ان من يسمع عن هذه الاحتفالية في منتديات النميمة الثقافية فقط، ليس كمن قراها و كتبها وعاشها و عايشها وتمثلها و تاملها و ذاب فيها، حتى اصبح هو هي وهي هو
كما ان من لا يعرف بلاغة الكتابة الاحتفالية الحيوية، في الفكر والإبداع معا، فإنه لا يمكن ان يدرك من هذه الاحتفالبة إلا مظاهرها وقشورها وما يقال فيها، وما يشاع عنها، والذي قد تكون له علاقة باحتفاليات اخرى، متخيلة ومتوهمة لا وجود لها، لا في التاريخ ولا في الجغرافيا
وفي كتابته الحيوية، يحرص الاحتفالي دائما على ان تكون لكتابته ظلال، وان تكون هذه الظلال ملونة بكل الوان قوس قزح، وان يخبئ في هذه الكتابة اكثر ما يمكن من المعاني، و أقل ما يمكن من الكلمات ومن العبارات، ونعرف ان الكلمات الغنية والحافلة بالمعاني لا يمكن ان تبوح بمعانيها دفعة واحدة، وبهذا فهي كلمات و عبارات غنية فقط، في القراءات الغنية، اما في القراءات الفقيرة، فإنها تظل فقيرة، وتظل عارية وحافية من المعنى الجميل والنبيل، وهذه الكتابات الاحتفالية، هي في أغلب الحالات جميلة فقط في النفوس الجميلة وفي العيون الجميلة وفي القراءات الجميلة وفي العلاقات الإنسانية الجميلة
من التجريب للتخريب إلى التجريب البناء
ونحن، من داخل هذه الاحتفالية، وليس من خارجها، فكرنا و اجتهدنا في تطوير الفكر المسرحي وفي تجديد الفنون الأدائية والمشهدية كلها، وليس تجديد المسرح فقط، وذلك من خلال تطوير العقل المبدع اولا، ومن خلال تطوير مناخ الإبداع ثانيا، ومن خلال تطوير علوم هذه الفنون، وتطوير كل شروطها الذاتية والموضوعية
لقد اسسنا مسرحا تجريبيا بمنطق الإضافة، وذلك في وقت كان منطق البتر والقفز والاختزال منطقا تجريبيا، وكان فعل الانتقاء تجرببا، وكان قتل الكاتب المسرحي تجريبيا، وكانت الفوضى تجريبا، وكانت الأمية بأصول وثوابت المسرح تجريبا، وكان الاختلاف الوحشي في ذاته تجريبا، وكان الجهل بتاريخ المسرح وبمساره وبأعلامه وبمدارسه تجريبا، وبهذا فقد حضرت نية التجريب وحدها، وغاب فعل التجريب الحقيقي، بل وغاب المسرح في معناه ومبناه الحقيقي
والتجريب اساسا حرية و تحرر، وذلك في إطار الثوابت طبعا، وهو قطع ووقطيعة ايضا، ولكن مع الاستمرار، لأن قطع اعناق الحقيقة جريمة، تماما مثلما ان قطع اعناق الناس وقطع اعناق كل الكائنات الحية جريمة
ومن حق الاحتفالي ان يتحرر من كل القيود المادية والمعنوية، وان (يتخلص من كل الزوائد الدودية و المرضية، في حياته وفي حياة فكره و فنه، وان يتحرر من كل الأوهام ومن المعتقدات الخرافية و الأسطورية، والتي يمكن ان تكبله، وان تربطه إلى الأرض، بدل ان تدعه ينفتح على الحاضر والمستقبل، كما تهدف هذه الاحتفالية ايضا إلى إيجاد مدينة اخرى فاضلة، يعيش فيها الإنسان مع الإنسان، و تتعايش فيها كل الكائنات و المخلوقات)
وبخصوص ارتباط المسرح الاحتفالي، بالفلسفة الاحتفالية و بالفنون الاحتفالية و بالفقه الاحتفالي، يقول المبدع و المفكر والمؤرخ الاحتفالي في كتاب الكاتب العراقي ذ.عبد الرزاق الربيعي (عبد الكريم برشيد الحكواتي الأخير) ما يلي
( ما اعرفه عن نفسي هو أنني أمارس الإبداع الخلاق، وانني معه امارس فعل التفكير ايضاً، واقترفه بوعي الفيلسوف. إنني أحيا الشغب الفكري في مسرح الوجود وفي المسرح المسرحي معا، وارى ان الشغب هو حق من حقوقي الأساسية المشروعة، بل هو أقدس كل الحقوق، و إنني اقول دائما بانني لست حكيما، ولكنني فقط اعشق الحكمة، واعشق ان أسال وان اتساءل، واعشق ان اصل الى اليقين، او إلى ما يشبه اليقين، عن طريق الشك طبعا، و اعشق أن ابدا بالمقدمات وبالفرضيات لأخلص إلى النتائج، وإن ذلك المسرح الذي هو مجرد حرفة لا يقول لي شيئا، ولا يعني لي أي شيء
ولقد اقتنعت ـ منذ انتمائي لعالم هذا المسرح ـ انه لا يمكن ان اكون مسرحيا حقيقيا من غير ان اكون مفكرا، ومن غير ان اكون ساحرا، ومن غير اكون عرافا، ومن غير ان اكون ساعي بريد، وان احمل للناس رسائل تهمهم، ومن غير ان اكون شاعرا، ومن غير ان اكون عاشقا للحكمة، وان اسعى من اجل ان اعرف نفسي اولا، وان اعرف كل الناس، وأن اعرف كيف تتاسس الظواهر الاجتماعية في المجتمع، وباي منطق يعبر الناس في الحقب التاريخية عن انفسهم وعن احلامهم وعن همومهم وعن اهتماماتهم)
والاحتفالي الحقيقي حاضر في كل المناسبات، وقد يتم تغييبه وابعاده، ولكنه ابدا لا يمكن ان يغيب، وهو حاضر في كل الجهات، و هو مناضل في مختلف الجبهات، وهو فنان و مفكر و مبدع في كل الآداب والفنون و الصناعات، وهو في المسرح مسرحي، وهو في الفكر مفكر، وهو في الإعلام إعلامي، وهو في التاريخ مؤرخ، وهو في الحكي حكواتي، وهو في مجال الدفاع عن الحقوق نقابي شرس، وهو في المسرح ممثل، وهو في السيرك مهرج، وهو في السفر مسافر..
الاحتفالية
من تاصيل الكائن الى تاسيس الممكن
وبخصوص الدور الذي لعبه المسرحي الاحتفالي في تنشيط الدورة الدموية للمسرح العربي، ابتداء من سبعينيات القرن الماضي، يقول الناقد والباحث المسرحي العراقي ذ ياسين النصير في كتابه ( اسىئلة الحداثة في المسرح) والذي صدر عن الهيئة العربية للمسرح) ضمن سلسلة دراسات، والذي جاء في سياق حديثه في هذا الكتاب عن (جذور الاحتفالية) ما يلي
( أما الشخص الذي نظر للاحتفالية، و أسس لها منهجية، فهو الكاتب عبد الكريم برشيد الذي كانت تنظيراته نتاج ممارسات طويلة ذات جذور، ومن دون ذلك لم تكن لتنجح اي محاولة من خلال التقليد او تعقب تجارب الغير، وهكذا كانت الاحتفالية التي تعد قمة تصوراتنا المنهجية على التجديد في المسرح خلاصة مخاض طويل من حراك المخرجين، خاصة الصديقي، بين التجريب البسيط إلى المختبرية إلى الممارسة الفعلية للعرض المسرحي عند قاسم محمد في اهم اعمال المسرح العراقي ” مجالس التراث” و” كان ياما كان) وعادل كاظم في ” مقامات بديع الزمان الهمذاني ” و محيي الدين زنكنة في ” السؤال” إلى الإخراج المنهجي عند الطيب الصديقي وسامي عبد الحميد وقائمة محمد و يعقوب الشدراوي و نضال الاشقر وغيرهم)
وهذه الاحتفالية، في معناها الحقيقي، وقبل اي شيء آخر، هي فعل ولادة شرعية سبقها حمل شرعي، وسبقها وجع فكري وروحي، وسبقتها اسىئلة كثيرة عن المسرح وعن معنى المسرح، وعن بنية المسرح، وعن فلسفة المسرح، وعن مستقبل المسرح، وعن اداب واخلاق المسرح، وكانت هذه الأسئلة كلها مسكونة بالحيرة وبالشك العلمي وبالقلق الوجودي، كما كانت مؤثثة بحضور التجربة إلى جانب التجريب، و بوجود الفقه المسرحي الى جانب الحرفة المسرحية، وبهذا فقد كانت هذه الاحتفالية وقفة تأملية في تاريخ المسرح العربي الحديث، وكانت مجموعة اسئلة حارة وملتهبة، وكانت حزمة تاملات فلسفية، وكانت اختيارات مسرحية وسط اختيارات مسرحية اخرى كثيرة جدا، وكانت توجها جماليا وفكريا وأخلاقيا نحو النحن، ونحن الآن ، ونحن الهنا، ونحو الجمال والكمال، ونحن الممكن والمحال، وكانت انحيازا لجوهر المسرح ولروحه، والذي يمثله العيد، ويجسده الاحتفال، والذي هو فعل حي، تحياه الجماعة الإنسانية المحتفلة، وذلك في الفضاء الاحتفالي، وفي الزمن التاريخي الاحتفالي الحي
ولقد كان العالم في ذلك الزمن السبعيني من القرن الماضي، والذي شهد مولد التيار الاحتفالي، كان يتأسس بشكل جديد، وبعقلية جديدة، ولقد كانت كل العيون تتجه هو المستقبل، خائفة من ماض أثثته الحروب السخنة و الباردة، وفي ذلك الزمن السبعيني، كانت سرعة الفكر والعلوم والفنون والصناعات تسير بسرعة كبيرة جدا، وذلك من أجل إيجاد نظام مسرحي جديد، و إيجاد نظام سياسي جديد، وإيجاد نظام اخلاقي جديد
وكل الدعوات العربية في المسرح، او جلها على الأقل، والتي سبقت ظهور الحركة الاحتفالية، قد أهملت الجانب الفكري والفلسفي في عملية التمسرح، وركزت فقذ على الجانب العملي والحركي و المشهدي والمهني في المسرح، وكان كل اجتهادها تحت بند واحد اوحد، والذي هو بند التاصيل، اي تاصيل شيء قديم، كان له وجود سابق وقديم، سواء اكان في التراث المكتوب او في التراث الشفهي، أو كان في التاريخ العربي، اما ما اتت به الاحتفالية، فقد كان تحت بند مختلف، والذي هو بند التاسيس، أو إعادة التاسيس، اي انه فعل خلق شيء جديد، او انه إعادة خلق شيء قديم برؤية جديدة و بعيون جديدة وبتقنيات جديدة و بآليات ومنهجيات جديدة، ولقد كان لهذا التاسيس معنى الابتكار ومعنى البناء ومعنى الاكتشاف، وبهذا فقد كان هذا التاسيس فعلا جديدا و مجددا، وكانت وجهته الآني و الآتي معت، وكان حفرا في اعماق الأرض، وكان رؤية جديدة، آتية من المستقبل، وليس من الماضي، وبهذا فقد كانت فعلا لتاسيس مسرح مغربي عربي امازيغي افريقي عالم ثالثي على أرض عربية امازيغية افريقية وعالم ثالثية، وكان هذا المسرح موثثا بأسىئلة و مسائل وقضايا محلية و جهوية عامة كثيرك، ولكن بتصورات وباليات وبتقنيات وبلغات وابجديات مسرحية عالمية وكونية
ولعل هذا هو ما جعل (كل) او ( جل) الدعوات السابقة، على ظهور الاحتفالية، والتي ركزت على المظاهر الاحتفالية في التراث العربي، دعوات فاشلة، او شبه فاشلة، وذلك بتعبير المسرحي الباحث عبد الرحيم محلاوي، ولقد ( فشلت لأنها بقيت في حدود بعث شكل او اشكال مسرحية تراثية، او استلهام التراث العربي عوضا عن صيانة التقاليد وتفعيل حضورها في تحقيق الوظيفة الاجتماعية وتثمير الحوار الثقافي لتعزيز تراث الإنسانية استنادا إلى وعي التراث و ووعي الآخر ، ومع مطلع السبعينيات تبلورت هذه المحاولات واخذت شكلا عمليا، فانتشرت على شكل جماعات مسرحية اكثر نضجا، مثل السرادق في مصر، الحكواتي في لبنان، مسرح الشوك في سوريا، جماعة الاحتفاليين في المغرب، مسرح الفوانيس في الأردن)
وهذا الانحياز الى الذات، في المسرح التراثي العربي، قد تم بنزعية ايديولوجية مغلقة ومحدوة، وكان ردة إلى الخلف لمقاومة الحاضر،، ولم يكن اختيارا فكريا وجماليا وأخلاقيا حرا، كما هو الأمر عند الاحتفالية وعند الاحتفاليين، والذي اعتمد منهجية النقد الذاتي من اجل اعادة تاسيس المسرح العربي على ضوء الفكر الحديث وعلى ضوء العلوم الجديدة ومن داخل الإطار الفكري العام، والذي عرفته الحركة المسرحية في العالم
وينقل عني د. فضل الله احمد عبد الله، الكاتب والباحث السوداني، انني قلت له ونحن في السودان و في بعض العواصم العربية، ما يلي
” ان الأيديولوجيا في العالم العربي انتجت مثقفين ايديولوجيين، لهم في كل وجه عين واحدة وليس اكثر، هذه العين الواحدة لا تدرك إلا لونا واحدا، ولا تعترف إلا بحقيقة واحدة موحدة”
تلك الكلمات من لقاء مباشر بيننا والكاتب المفكر المسرحي المغربي ” عبد الكريم برشيد” الذي قال ايضا:
” ان العلم لا يصادر حق الأشياء في ان تعبر عن نفسها بنفسها، وان تثبت بالملموس حقائقها الكائنة والممكنة، غير ان الأيديولوجيا هي عكس ذلك
الأيديولوجيا مسكونة بالنوايا وبالأهواء، فهي وجهة نظر لا تعرف ولا تعترف بأنها وجهة نظر، قد تكون صائبة، وقد تكون خاطئة، وقد تكون مجرد هلوسات ذهنية، ولا شيء أكثر
هذه الأيديولوجيا بتمركزها على الذات، قد أضرت كثيرا بثقافتنا”
عبد الكريم برشيد،الاسم الذي بختزل اسمه، اسعدني الزمان بصحبته لأكثر من مرة وفي سنوات متباعدة، وفي كل مرة يزور فيها السودان، فالمضيف هو مهرجان البقعة الدولي المسرح وصالون علي مهدي يجمعنا به لنرتحل الى عقله و روحه وحياته ومزاجه وربما مكبوتاته ولا وعيه، ترحال داخل شخصيته و شخصيات مسرحياته التي يقول جريت على لسانها:
” فانا لا أحسب بالارقام، فاجمع وأطرح واضرب واقسم، ولكنني احسب بالمعاني، وبالكلمات وبالصور، وفي حسابي هذا لا اعرف إلا القسمة، وكل شيء لا يقتسم لا يعول عليه
اللحظة مقتسمة والرزق مقتسم والوطن مقتسم، وكل شيء نقتسمه يمكن ان يقل، إلا الفرح، فهو يزيد، ويجعل من حجم الوطن أوسع
با ايها الناس، فالنقتسم هذا الوطن بالحب، لنصنع لأنفسنا الفرح، فإن صناعة الكراهية تضيع علينا مساحات الفرح بهذا الوطن)
وهذا العشق الصوفي للحضور مع الأخرين، هو بالتاكيد جوهر الاحتفالية، وهو روحها وهو ماضيها وهو مستقبلها، وهو منطلق فمرها، ومنطق علمها، ومنطق كل فنونها
طموح الاحتفالية طموح تاريخي مشروع
يقول الصحفي في وكالة المغرب العربي للانباء الأستاذ عبد اللطيف الجعفري ما يلي:
(الاحتفالية هي التي تجعلنا قادرين على الحياة ) ومن اجل ان نكون قادرين على ان نحيا هذه الحياة، فقد اكتشف الإنسان الاحتفال، واخترع العيد، وبهذا فقد امكن لنا ان نقول ما يلي، ان الزمان الاحتفالي والعيدي هو في الحقيقة زمان مقتطع من زمان معركة الوجود في الحياة، وهو زمان مختلس, كما جاء في شعر لسان الدين بن الخطيب:
جادك الغيث اذا الغيث عمى
يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلما
في الكرى او خلسة المختلس
وقد يكون الزمان الاحتفالي، في معركة الوجود والحياة، هو مجرد غنيمة حرب، وذلك في حياة ما هي إلا حرب ضد جيش الزمان، ومن يمكن ان يقول العكس؟
وهذا الاحتفال دائما، ما هو إلا مناسبة فقط، هو مناسبة نجدد بها وفيها دماءنا، و نجدد بها وفيها حياتنا وحيويتنا، و نجدد بها وفيها ىعينا بذاتنا وبالعالم، وهو مناسبة ايضا، بالنسبة للمحارب الوجودي من ان اجل ان يستريح ساعة، وان تكون هذه الساعة ساعة احتفالية، او ان يستريح يوما، وان يكون لهذا اليوم معنى العيد، وان يكون لهذا العيد معنى التجديد
ولهذا فقد كانت الاحتفالية اكبر من المسرح الاحتفالي، وكان رهاناتها الوجودية فيها اكبر و اخطر، ولعل هذه هو ما جعل الاحتفالي يقول في كتاب ( عبد الكريم برشيد الاحتفالي الأخير ) يقول ما يلي:
( طموح الاحتفالية كان وما يزال، وسوف يبقى، طموحا بلا حدود، ولولا هذا الطموح ما كان لها وجود في الوجود، وهو طموح اكبر وأخطر من مجرد تقديم نصوص مسرحية، وإقامة لقاءات فنية محدودة في الزمان والمكان، لأن الأساس هو إيجاد مجتمع عربي آخر، مجتمع إنساني ومدني يكون اكثر حقيقة واكثر حيوية، ويكون اكثر صدقا ومصداقية، ويكون اكثر حرية وتحررا، وان يكون الإنسان فيه مواطنا حقيقيا، وان يكون فاعلا في المسرح و بالمسرح ومتفاعلة فيه، وان يحرر بهذا الفن المجتمع، وان يتحرر به وفيه ايضا، وان يعيش بهذا المسرح اكثر من حياة، وان يكون اكثر حيوية وأكثر جمالا واكثر نظاما واكثر إقناعا واكثر إمتاعا، وان يعيش التحرر الحقيقي من كل القيود المادية و المعنوية، وان يتخلص من كل الزوائد الدودية و المرضية، وان يتحرر من كل الأوهام ومن المعتقدات الخرافية والأسطورية، والتي يمكن ان تكبله، وان تربطه إلى الأرض، بدل ان تدعه ينفتح على الحاضر والمستقبل، كما تهدف هذه الاحتفالية ايضا إلى إيجاد مدينة اخرى فاضلة، يعيش فيها الإنسان مع الإنسان، و تتعايش فيها كل الكائنات و المخلوقات)
نعم، هذه هي الاحتفالية، في علمها وفكرها وفي فقهها وصناعاتها، وفي رؤيتها العامة، والتي تقبل ان يكون لها في كل تاريخ وجود، وان يكون لها في كل فن وجود، وان يكون لها في كل حادث حديث، وان يكون لها في كل عبد جديد احتفال إنساني ومدني جديد ومجدا ومتجدد