جبروت” بين خرق الخصوصية وفضح السلطة

حميد طولست

في مغرب اليوم، لم يعد الغريب أن تتصدر التسريبات الرقمية واجهة الجدل العمومي، بل الجديد هو أن يصبح التجسس الرقمي — في حد ذاته — مؤشراً على عجز المؤسسات عن مساءلة من تلبّسوا بأفعال تسيء للثقة العامة. في هذا السياق، يبرز اسم “جبروت”، لا كمجرد شبكة اختراقات، بل كلعنة رقمية معلّقة فوق رؤوس من امتهنوا السلطة واستباحوا مفاهيمها.
“جبروت” ليست مجرد قصة اختراق، بل تحوّلت إلى تعبير ساخر صارخ:
“اللي تعنى بالسلطة يموت بجبروت” — عبارة تلخص ما يشعر به الرأي العام حيال ما يُعتقد أنه تفكك داخلي في منظومة المسؤولية، وغياب واضح للمحاسبة.
بين التجسس ومساءلة السلطة: معادلة ملغومة :
الموقف المبدئي الذي لا تردد فيه، هو الرفض التام لأي اختراق للخصوصية الفردية، أياً كان المستهدَف به. فتجسس الأفراد أو الجماعات، سواء بدافع النفعية أو الانتقام أو “الفضح”، يعدّ انتهاكاً صارخاً لحرمة الحياة الخاصة، ولأبسط أعمدة الدولة القانونية.
لكن يبقى السؤال المشروع:
حين يُكشَف من خلال تلك الاختراقات عن تلاعب بالمال العام، أو فساد حزبي، أو نفاق سياسي فجّ، هل يُغضّ الطرف عن المحتوى باسم حماية الوسيلة؟
إننا هنا أمام مأزق أخلاقي وقانوني عميق، يختبر نضج مؤسسات الدولة وقدرتها على التمييز بين إسقاطات الوسيلة ومشروعية الغاية.
وهبي والمنصوري في مرمى “جبروت”: صمت رسمي يثير القلق
من بين أبرز الأسماء التي طالتها التسريبات الأخيرة: عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، وفاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني، وقيادية في نفس الحزب الذي يتولى وهبي أمانته العامة — حزب الأصالة والمعاصرة.
وفق ما تم تداوله في محتوى تلك التسريبات، فقد كُشف عن:
• صراعات داخلية حادة داخل الحزب، تصل إلى حدّ تبادل الاتهامات والإساءة.
• استغلال للنفوذ لخدمة مصالح انتخابية ضيقة، سواء على مستوى التعيينات أو الصفقات.
• لغة انتهازية وازدرائية تجاه الرأي العام، توحي بأن بعض القيادات تتعامل مع الشأن العام كغنيمة لا كأمانة.
لكن ما يثير القلق ليس فقط ما تضمّنته التسريبات، بل الردّ الرسمي الغائب. لا بلاغ من الحزب، لا توضيح من الوزارة، لا إعلان عن فتح تحقيق من النيابة العامة — وكأننا أمام محاولة دفن جماعي لمضمون تلك الفضائح.
فهل نحن أمام نموذج جديد من “إدارة الفضيحة بالصمت”؟
أم أننا بصدد تكرار سيناريوهات سابقة، حيث تُهزّ الثقة العامة، ثم يُعاد ترتيب الأوراق خلف الكواليس؟
من جبروت إلى يقظة مدنية: “رب ضارة نافعة”؟
ما يحصل اليوم، وإن جرى بوسائل مرفوضة، يسلّط الضوء على حقيقة مؤلمة:
لو كانت لدينا منظومة مؤسساتية فعالة، لما احتجنا إلى “جبروت” كي نعرف من يُسيء استخدام سلطته، أو من يمارس النفاق السياسي في الخفاء.
الفضائح لا تصنعها التسريبات، بل يصنعها غياب الشفافية، وانعدام المساءلة، واستمرار الإفلات من العقاب.
وفي هذا السياق، فإن التجاوب العمومي مع هذه القضايا، رغم أنه أحياناً مشوب بالشماتة أو الإثارة، يعكس حاجة اجتماعية متعطشة إلى العدالة والوضوح والمحاسبة.
ثلاثة مطالب لإنقاذ ما تبقى من الثقة العامة
ليس المطلوب تشجيع الاختراقات، ولكن بالمقابل لا يجب أن يُكافأ الفساد بالصمت لأن مصدر فضحه غير مشروع. المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى:
1. تحقيق قضائي مستقل في مضمون التسريبات، دون الاقتصار على ملاحقة من قام بها فقط.
2. محاسبة أي مسؤول ثبت تورطه في استغلال السلطة أو العبث بمصالح المواطنين، بغضّ النظر عن انتمائه السياسي.
3. توسيع الحماية القانونية للمبلغين عن الفساد، وتفعيل آليات الرقابة البرلمانية والمجتمعية.
خاتمة: ما بعد “جبروت”.. دولة القانون أو دولة الخوف؟
قد ينجح المسؤولون في إخماد العاصفة مؤقتاً، كما حدث في فضائح سابقة، لكن الحقيقة تظل قائمة:
كلما غابت الشفافية والمحاسبة، كلما زادت جاذبية “جبروت” وأمثاله، سواء أكانوا أفراداً أم شبكات ظل.
الاختبار الحقيقي اليوم ليس في ملاحقة المخترق، بل في الإجابة الصريحة على هذا السؤال:
هل ما كُشف يستحق تحقيقاً أم لا؟
فإن كانت الإجابة نعم، فالدولة أمام لحظة حقيقية لتصحيح المسار.
وإن كانت لا، فنحن إزاء منظومة ترى في المواطن مجرد متلقٍ سلبي، لا شريكاً في بناء الثقة، ولا طرفاً في حماية المصلحة العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *