حميد طولست
تحلّ ذكرى رحيلك أستاذي الكبير، ومعها أحسست بأن الخسارة لم تكن عادية، بل هي فقدان لبوصلة فكرية وإنسانية نادرة في زمن عزّت فيه البوصلة. لم تُمت من سبيلا إلا الجسد، أما الفكر، فباقٍ فينا، يضرب بجذوره في وعينا، وينبض كلما استشعرنا حاجة إلى السؤال، أو رغبة في التحرر من قيود المسلّمات.
لقد كنت أستاذي الكبير، ـ فيلسوف الحداثة وحقوق الإنسان ـ صوتاً عقلانياً رصيناً في زمن التيه، ومعلماً لم يتعالَ على تلاميذه ولا على جمهوره، بل صنع من الفلسفة جسراً ممتداً بين نخبة الفكر وهموم المجتمع. علمتنا أن التفكير ليس ترفاً، بل ضرورة للوجود. وأن العقلانية ليست ترفاً نخبوياً، بل سلاح ناعم في مواجهة الاستبداد، والظلام، والانغلاق.
سكنتنا إلى حد الهذيان، لأنك من القلائل الذين زرعوا فينا عشق الفلسفة لا كمتن نظري مجرد، بل كموقف أخلاقي، وممارسة يومية، ورؤية للعالم.
لقد كانت كتبك أستاذي الكبير، كالمصابيح في الدروب الوعرة ، جعلتنا نقرأ، ونفكر، ونعلّم، ونختلف لكي نفهم ، كما كنت تقول: “نختلف كي نفهم”.
ما زال رنين ما تركته لنا أستاذي الكبير ، يتردّد في مدرجات ظهر المهراز، وما زال عطر فكرك عالقاً في دفاترنا القديمة، ليس كتراث مكتوب فقط، بل طريقة في التفكير، وأسلوباً في النقاش، وفضيلة في الإصغاء.
لقد كنت أستاذي الكبير ، في جيل من القامات الفلسفية الشامخة، من جسوس إلى العروي، ومن الجابري إلى الخطيبي، ومن الدهان إلى بنسالم حميش… جيلٌ وضعنا بفكره في قلب السوربون، ونحن بعدُ تلامذة في فاس.
سلام أستاذي الكبير ، على روحك التي ما زالت تسكننا. وسلام على فكرك الذي صار روحاً للفكر، كما كنت أستاذي تقول، وكما علمتنا أن نقول. رحمك الله، ورضي عنك، وجعل ذكراك متجددة في تلامذتك نبضاً في العقل، ووهجاً في الضمير.