الجيل البيريمي” ودموع التماسيح

حميد طولست

تشهد الساحة المغربية بين الفينة والأخرى موجات احتجاجية، تارة تأتي في شكل مسيرات سلمية محدودة، وتارة تتحول إلى احتجاجات جماهيرية أوسع. ووسط هذا الحراك، يطرح السؤال نفسه كل مرة: هل هذه صرخة اجتماعية للمقهورين والعاطلين والعطشى، أم صحوة مدنية لتحسين الحكامة؟ أم مجرد “كومبارس” جديد في لعبة انتخابية عتيقة؟
لكن، ورغم كل التأويلات، لا أحد يختلف أن “جيل Z” صار حقيقة واقعة، وأن المطالب التي يرفعها هذا الجيل لا يمكن الاستهزاء بها أو تسويقها في بازار الحملات الانتخابية. هذا الجيل، الذي يعيش العالم بلمسة شاشة، ويؤمن بالحرية والعدالة والمساواة والوعي البيئي والاجتماعي، ليس “سلعة بيريمي” حتى يركب على ظهره من انتهت مدة صلاحيته السياسية.
ومع ذلك، فوجئنا ـ ويا للدهشة! ـ بصور لعبد الإله بنكيران وهو يذرف الدموع على شباب جيل Z، وبمحمد أوزين يتباكى على معاناتهم، وكأنهما فجأة اكتشفا أن لهذا الجيل وجودًا ومعاناة. أما نبيل بنعبد الله، فاستفاق هو الآخر ليكتشف بعد 14 سنة أن الشباب يحتاج من يُنصت له. “فتح مبين” في السياسة المغربية!
ألم يكن شباب 20 فبراير من جيل الأمس يرفعون نفس المطالب قبل أكثر من عقد؟ أين كانت تلك الدموع؟ ولماذا لم يذرفوها إلا الآن، والانتخابات تدق الأبواب كناقوس “المنصب الضائع”؟
لقد أثار المشهد سخرية واسعة: “دموع التماسيح”، وصف أطلقه ناشطون على تلك اللقطات المسرحية التي لم تُقنع أحدًا. فالجميع يعرف أن أحزابنا التي تدّعي امتلاك مفاتيح الحل هي في حقيقتها صناديق كرتونية، تضع “شبابًا” في القيادات تجاوزوا الخمسين والستين، يحتكرون الترشيحات والمناصب، بينما الشباب الحقيقيون يجدون أنفسهم خارج اللعبة، لا مكان لهم سوى في الشارع أو في فضاء رقمي مفتوح.
جيل Z، الذي تتراوح أعماره اليوم بين 15 و30 عامًا، لا ينتظر دموعكم ولا “الترهبين” السياسي. هذا جيل متنوع، منفتح، مرن، يتقن لغة التكنولوجيا أكثر من لغة الخشب، ويعرف جيدًا أنكم تحاولون “قتل الميت والسير في جنازته”. جيل يرفض أن يتحول إلى “ملحق انتخابي” عند من استهلكته السلطة وأنهكته المناصب.
ومن باب المستملحة الثقيلة، علّقت مايسة سلامة الناجي، المرشحة المرتقبة في الانتخابات المقبلة، ساخرة: “الحملة الانتخابية بدات.. بنكيران اللي كان باغي يمحي الصحة والتعليم من قاموس الدولة، رجع اليوم بالنفاق ودموع التماسيح.. أوزين بكى.. وبنعبد الله كيكتشف الشباب.. حتى أنا خصني نبدا نبكي.. ما تسكتونيش!”.
فليعلم “الجيل البيريمي” أن زمن الوصاية انتهى، وأن شباب جيل Z ليسوا أوراقًا في صندوق اقتراع، ولا منصة لتسويق خطابات خشبية مكرورة. وإذا أرادت الأحزاب الوطنية البقاء على قيد الحياة السياسية، فعليها أن تعقد مؤتمرات استثنائية فعلية، وتفتح الباب أمام شباب تحت الثلاثين، لا أن تواصل إنتاج نفس “الوجوه المستعملة” مع تغليفها بدموع باردة.
باختصار: “جيل Z” لا يحتاج وصاية، بل يحتاج فضاءً سياسيًا نزيهًا، وحينها سنرى من سيبكي دموع التماسيح حقًا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *