إنجاز: د الغزيوي أبو علي
دة بن المداني ليلة
يظهر غلاف رواية “اللص والكلاب” بوضوح طبيعتها كرواية بوليسية ذات صيغة اجتماعية، فهذه الألوان تعكس التناقض والصراع الداخلي والخارجي الذي تواجهها شخصيات الرواية، حيث يشير المسدس إلى عنصر الجريمة، بينما تمثل المرأة موضوع الحب والرغبة، ويميل الغلاف إلى الواقعية مما يساعد القارئ على تصور الأحداث بوضوح، ويثير أيضا فضول القارئ ويحفزه على قراءة الرواية.
يشير العنوان مفتاح كل عمل أدبي أو غير أدبي، لذا تقتضي الدراسة في مستواها الأول الوقوف عنده، من جهة علاقته المباشرة بالقضية المتضمنة في متن الكتاب، وإذا اعتدنا أنه يتضمن كلمتين دالتين يجمعهما واو العطف مما يدل على اتصالهما في الآن ويقترن المدلول الظاهر لكلمة النص في العالم الأعم بالسرقة والنهب والخيانة.
بغلاف كلمة الكلاب التي تدل على الوفاء والصبر، وإذا ما قارنا العنوان بمتن المؤلف سنجد أن الكلب خرج عن معناه الأصلي، حيث أصبح يحمل سمات إنسانية، ويقصد بالكلاب كل من خان شخص سعيد مهران (اللص) ومنهم الزوجة نبوية والصديق رؤوف علوان، وعليش، ويرمز اللص في المؤلف بالوفاء والإخلاص.
ما يلاحظ على العنوان أيضا أنه كتب بلون أبيض داكن أسفل صفحة المؤلف، واللون الأبيض يدل على الوفاء والسلام والصفاء، الأمر الذي يجعل العنوان في مفارقة واضحة باللون الذي كتب به، ويجعل القارئ في متاهة وفوضى وتساؤل عن طبيعة القضية التي يمكن أن يتضمنها مؤلف هذا العنوان المرتبط بصاحب النص الذي هو نجيب محفوظ.
جنس المؤلف:
بالاستناد إلى طبيعة الغلاف وحجم المتن المتضمن، يمكن إدراج هذا المؤلف الفن الروائي، باعتبارها قصة ولها بناء محكم مثل أنواع الفن القصصي كالسير والأخبار والرسائل، والغالب على فن الرواية هو التخييل، مما يجعل القارئ أمام إمكانيات متعددة التأويل.
يجمع النقاد على أن فن الرواية مقترن في بدايته بظهور المدينة لما نتيجة هذه الأخيرة من إمكانيات الإبداع بفعل تنوع وتجدد أحداثها ومن بينهم نجيب محفوظ – مبارك – طه حسين – عبد الله العروي.
الغلاف الأمامي:
يتخلل الغلاف دليل أيقوني عبارة عن لوحة فنية حافلة بمجموع من المكونات حيث يحتل اللون الأزرق مساحة كبيرة في الغلاف وهو رمز التأمل وبعد النظر، تتخلل أعلى الصورة بأرجل متوار.
الغلاف الخلفي:
يلاحظ على الغلاف الخلفي غياب أي مؤشر يمكن أن يساعد القارئ على معرفة قوى الرواية، الأمر الذي يطرح أمامه جملة من الفرضيات والتصورات.
العتبات الداخلية:
قسمه إلى 18 فصلا، الملاحظ عليها أنها جاءت خالية من المدونة، الأمر الذي يجعل القارئ في حيرة من أمره، ويفسح أمامه المجال الأوفر للتأويل، وتكاد الفصول تتساوى من حيث الحجم، مما يفصح عن تجربة متميزة في الإبداع الروائي، تتخلل هذه الفصول العديد من اللوحات الفنية التي لها علاقة مباشرة بموضوع كل فصل والتي لها دور هام في فهم الموضوع، تأتي روايته (اللص والكلاب) 1961 أي تسع سنوات بعد حصول ثورة 1952.
كيف بنيت هذه الرواية؟ وما هي خصائصها؟، إن رواية “اللص والكلاب” هي منية قالب بوليسي حيث هناك جريمتان يقوم بهما بظل الرواية سعيد مهران خروجه ¬ من السجن ¬ وتتم مطاردته
من رجال الأمن وفي الأخير استسلم، ¬ إنها ليست رواية بوليسية ¬ ولم يكن نوعا من التجريب يتجاوز ما بدأه مع الكتابة التاريخية.
لقد أشغل واقعة حدثت في مصر وأثارت القضية عامة الشعب ¬ وحاول من خلالها أن ينسج رواية كدين واقعا اجتماعيا متحولا، ولم يكن في صالح الشعب، واكتشف التناقضات الموجودة في الواقع لذا اعتبرها النقاد من الروايات الرمزية وهي المرحلة التي تجاوزت الواقعية.
اتخذ من النخلة محور مركزي للغلاف قرب النخلة هو مكان العشق سعيد مع نبوية تحت الظل، ولذلك جعل صورة نصفية للأنثى على رأس النخلة تحيط بها ثلاث سمكات من كل جانب، وفي كل زاوية بنت تجري وبنت أخرى تلعب بالحبل وفي أسفل النخلة كلبان متواجهان، ويمسك كل منها بجانب من النخلة.
عنوان الرواية:
عندما ننظر إلى عنوانها نجده يجسد بكيفية أمينة نوعيات العناوين التي كان يختارها لأعمالها السردية، وتسوقنا طبيعة هذا العنوان وخصوصيته داخل أنماط العناوين التي أعطاها لروايته، إن عنوان اللص / الكلاب، وهو يرتكز على الشخصيات كأننا أمام شريط سينمائي (الرواية البوليسية) حيث أن النوع السردي للعنوان يوجه اهتمامنا إلى الفعل والحدث الجامع بين عالمي اللص / الكلاب وهو المطاردة، فسعى أن هناك جريمة قتل، وأن اللص مطلوب للعدالة نظرا لهذا الفعل ضد المجتمع.
نجد اختلاف بين عالمي هذه الشخصيات:
عالم إنساني جمع بينهما بشكل متناقض عالم الحيوان
القراءة الأولى I الكلاب تطارد اللص من طرف البوليس، وهذه القراءة تعيينية بين الكلاب + اللص، ولماذا لم يسمي روايته الكلاب واللص؟ وكأنهما يتعاركان حولها، ويشيرنا في صورة الكلبين معا، أن لكل منهما رابطة عنق خضراء وهو ما يجعلهما علاوة على المقوم + الحيواني يتسمان بالمقوم + الإنساني.
وعلى الأعلى صورة اللوحة نجد اسم نجيب محفوظ برسم ناتئ وذهبي بينما جاء عنوان الرواية تحت اسم الكاتب بحرف أصغر أبيض اللون وما الذهبي إشارة إلى قيمة الكاتب أرضية الغلاف خضراء باهتة فإن اللون الأبيض جاء مشعا هذا العنوان.
أما الغلاف الأخير فيتضمن صورة فوتوغرافية للكاتب بنظارته وبسمته وتذكير بملامحه في الستينات وقت كتابة الرواية وهذا دليل على تميزه عن الروائيين العرب.
المناصات:
تخلو الرواية من المناصات سوى ما اتصل بالمحتويات، والفهرسة وصفحات الفصول، وهي مرتبة ترتيبا عدديا، وبدون عناوين، وبعد ذلك يأتي أعماله يتضمن مسردا بأعماله واستراتيجيته التي من خلالها، يستطيع محفوظ على تحقيق رغباته الذاتية والأخلاقية والتربوية، فحقيقة هذا المؤلف المذكور مرتبط ارتباطا عضويا بمذاهب فلسفية وبأفكاره الخاصة في تفسير الحياة والوجود ويقول كانط في هذا الصدد <<إن حقائق العالم تنقسم إلى نوعين، نوع ظاهر ونوع باطن، فهناك عالم ظاهري ندركه بالحواس والأفكار، وهناك عالم باطني لا سبيل إلى إدراكه أو التوصل إليه، والحقيقة الباطنة أو ما يسميه الشيء في ذاته، لا يقع في حدود التجربة البشرية، وإنما هو بعيد عن النطاق الذي يؤثر فيه كل من الزمان والمكان>> كما يقول عبد الفتاح البديدي – فلسفة الجمال ص107، فادريس الكريني لا يسيخ المتخيل، بل سمح له باسترجاع المضمر، لذا ظل النقد الأدبي لعصور كثيرة مهتما بالأديب وعلاقة بالعمل الأدبي، ثم جاءت بعد ذلك موجة البنيوية التي نادت بموت هذا الأديب، وصيت اهتمامها على النص الأدبي في ذاته، ليظل المتلقي مهتما في كلا المنهجين (التاريخي والبنيوي)، مما سيؤدي في الآونة الأخيرة إلى ظهور منهج جديد ينادي بدراسة الأعمال الأدبية من زاوية المتلقي، ويتعلق الأمر بجمالية التلقي التي ظهرت مع ياوس وإيزر الأستاذين بجامعة كونسطاش بألمانيا، غير أن مداخلتنا في هذا السياق لن تقف على أسس، ومفاهيم هذه الجمالية عند هؤلاء، بل ستحاول رصد ملامح هذه النظرية في نقدنا العربي القديم، وعيا منا بغنى هذا النقد، وتعدد نزعاته ومشاربه، وهذا لا يعني بالطبع أنها تدعي أسبقية تراثنا العربي لهذه النظرية تلافيا للوقوع في حمأة الإسقاط التعسفي، والتعصب الفكري المذهبي، وهكذا سنعتمد بعض النصوص المشتتة في كتب اللهولوجيا، والتي تساوق بعض مفاهيم أو نظريات أصحاب هذه الجمالية بهدف استقرائها وتحليلها، واستخلاص أبعادها وهذا ما سأفعله في الدراسات المقبلة، فنجيب محفوظ في هذه الرواية ناقش قضية المثقف ودوره في المجتمع، فهو الحاكم والمنقذ ولكن المجتمع لا يعير له أي اهتمام يذكر، حيث نشأ بسيطا وتحول مركبا يريد أن يعيد إشكالية المثقف ودوره، وهذا ما يقربنا إلى أرسطو <<السياسية>> حيث كان الفلاسفة يبحثون عن القوانين التي تنظم الحياة، لكن في عصرنا المعولم بدأ التفكير في صناعة العقول وكيفية قراءها، وكيفي التأثير فيهم دون أن يدركوا شيئا، فالسياسي برؤيته الشمولية لا ينظر إلى الواقع في تطوراته وتحولاته المتسارعة بل يراه ماضيا يتضمن (المسيد، والزاوية) والمدارس الخاصة دون أن يعيد النظر في هذه الرؤية التي تتطلب النقد والتحليل، فاللابرهنة أصبحت قضية من قضايا ذات اليقيني، لأن البرهنة تنطلق من التحليل المباشر (المبدأ الذي لا يمكن تحليله) والبرهان بالخلف (الغير المباشر) عندما لا يستطيع السياسي في برنامجه أن يكون حاملا لقياس منطقي لمعالجة القضايا التي يعيش فيها ولا الباحث، بل همه هو التسلق الطبقي، والاقتراب من السلطة، لذا جاءت صيحة تفكير نريده نقدا تنويريا، فالسياسي يتجاوز نطاق المألوف من أجل تفجير دوافعه المترسبة في أعماقه، حتى يتحقق الارتقاء بالعرض الجمالي الذي يصبح فيه البعد السياسي بمثابة ذات وموضوع، بحيث <<لا يمكن أن يتم إدراكه من خلال تقسيم بسيط للأنواع أو الأجناس الأدبية>> مصطفى بيومي عبد السلام، التناص – افريقيا الشرق – ط 2017 ص54، فهذه التجليات هي عبارة عن تعارض جوهري، لذلك يجد السياسي نفسه مقيدا بالتحديد الدقيق لمحتوى وضمانات هذا التعارض ضمن سياق البعد الفني والفكري والجمالي، لذا سيتخذ هذا العمل دلالة جمالية.
إن أول درس نستنتجه من هذا التجوال المعرفي في الرواية، هو أ، الفكر السياسي متعدد ومتنوع، إلى حد بعيد، حيث تقاس هذه الأفكار السياسية والأصول والمصادر من منطلق النسب المفاهيمي، سواء كان مطلبا بشكل مباشر أو بطريقة تأملية وتخيلية، لذا ارتأينا في التعامل مع السياسي والواقع (التأويل – التفسير – الوصف)، وإذا كانت هذه الرواية تعتمد التقاطع المعرفي من أجل بناء مواطن قادر على التلقي، والاستيعاب، فالمثقف والمواجهة، والنقد، يعيش مواطنته باعتبارها حتمية وصيرورة، لا تفتأ تتحقق وله رؤية بصرية في النطاق الذي ستكون قد شكلتا ضمنه بصورة يسمح بتحديد موقعه، ومرجعيته وإبرازه من خلال الكشف عن رهانه المرتبط بالتصور الذي كونه أثناء ممارسة الإبداع التجريبي، فأصبح ينظر إلى وجوده، ومادة اتصاله (اللغة) التي هي مجال علمه، فأصبح البحث يكمن في أن الاهتمام بتجريد السمات السياسية الغير المتحولة قد حل محل الاهتمام السياسي الذي انفرد وحده فيما ما مضى – بالطبيعة المحسوسة في الحقائق>> أفيتش – ميكا – اتجاهات البحث اللساني – تر سعد مصلوح – المجلس الأعلى للثقافة القاهرة – – 1996ص 100- إن العملية الهادفة هي ذات بداية ولا نهائية، دورها حقيقي وواضح عن مدى ما تحققه المؤسسات من أهداف تتمثل في تعليم المتعلم قصد إدماجه في المجتمع وفي الكون، وهذا التقويم يساعدنا بمعرفة المثقف على مواجهة الذين ينتقدون السياسة الحالية نظرا قصورها حسب اعتقادهم، فالمتعلم سعيد مهران اليوم قادر على ملاءمة هذه الطرق والمواد، وكذا وسائل الإيضاح القانوني، ورغباتهم الفردية لتعديل ما يلزم تعديله، إذن أليست التيارات الإيديولوجية هي إجهاض شخصي؟ ما موقف السياسي؟ أليست لعبة معرفية محضة؟ وهل هذه النماذج قادرة حقا على تشكيل الإنسان؟ انطلاقا من الأسئلة فالسياسي كما تجسد في الرواية لنجيب محفوظ جعلت المجال محدود، لأن السياسة هي التناسق الكلي لبلوغ الاستقلال كما ذكرت سابقا، سواء في النمو، والتفكير، إنها محصلة سيرورة تحقيق الغايات لتتخذ شكلا نظاميا وتواصلا في شكل التطبيع الاجتماعي، ويرى Mcluhum <<فهي نوع من الدفاع المدني ضد تأثيرات الأخبار التي تبثها أجهزة الصحافة، لذا فالسياسة التربوية ليست التمرينات والفروض، بل هي طريقة مرتبطة بالوعي، والوجود والوعي، والقيم، والحياة، والاستقلال، والوعي، والهوية… إذن هي السلطة الناصرية القائمة بين الذات المتعلمة، وبين الأستاذ (الحاكم)، حيث توجد بينهما (سلطة معرفية) كقوة مادية، وقوة ذاتية، وهذا هو جوهر ركن القوة في السلطة السياسية والقوة البحثة عند المتلقي، فامتلاك السلطة الشرعية لدى السياسي لا تكون شرعية إلا إذا امتزجت القاعدة التربوية بالقاعدة التأويلية، والإبداعية، لأن المشروعية هو تنازل عن بعض القرارات لتكون عندئذ مشروعة دون أن تكون مطلقة بل اختيارية، فالسلطة الناصرية هي قوة مخصصة لإدارة جماعة من الناس يتولاها شخص بطريقة مشروعة لتحقيق غاية أو هدف معين، رغم وجود سلطة معرفية كما يقول بيير بورديو، فلا تكون أن تراعي القدرات الذاتية وتصريف أمور الجماعة لتكون مشروعية، لذا نرى فالمؤسسات هي سلطة إما فعلية أو معرفية أو قانونية، فالسلطة الفعلية القهرية هي سلطة لا تراعي خصوصية الفرد، ولا هويته ولا حريته.
يعتبر النقاد أن الرواية الأوروبية هي ملحمة الطبقة الوسطى، وذلك لكونها تسلط الضوء عن صراع الإنسان وغربيته في المجتمع الحديث، وهذا اللاتوازن بين الإنسان أو محيطه هو السبب إلى رواية جديدة يكون بطلها إنسان سويا تتحقق فيه أحلامه وطموحاته، وهذا التعارض للأطراف وتعارض الرغبات كما في الرواية، أما في عصر النهضة فظهرت الرواية على يد رفاعة الطهطاوي وفرنسيس فتح الله البحث عن عقل مستنير لتجسد القيم والحرية والعدالة والتقدم، وأصبحت مرآة للمجتمع العربي الحديث.
ويقول جابر عصفور أن الرواية ملحمة العرب المحدثين في بحثهم عن المعنى والقيمة في عالم يهتز فيه المعنى وتضطرب فيه القيمة وفي مسعاهم إلى تأكيد حضور الشكل الإبداعي الذين يواجهون به اضطراب المعنى واضطراب القيمة.
ويرى عبد الله العروي أن الرواية العربية تبحث عن المجتمع العربي وعن هويته وهذا ما يقربنا إلى بعض أطاريح جيل دولوز الذي غاير المألوف وأبدع جنسا متعددا لكي يؤكد على الذات الفاعلة من بين المفاهيم الذي أبدع فيها دولوز هو مفهوم المذمور الذي تطور بتطور فلسفة جيل دولوز، معتبرا إياه بأنه فلسفة الحدث بدون قرار ولا حكمة، إنه آلة لا يتحدد كينونتها إلا مجاليا، وهذا ما نراه في رواية اللص والكلاب، وطفولة بلا مطر فهي في تركيبها تميل على نظام تراتب أخلاقي، وعلى منطق التعاقب التاريخي، وعلى جذور تكون هي الأصل وماهية الفروع والأغصان التي تصير حينها ظاهرا، وهذه ، لأنها أمور كما تقدم غير مقيولة عند دولوز، لأنها تسقطنا في تصور تراتبي عن العالم يؤمن بالغاية وأولوية اللوغوس، مع ما يستتبعه ذلك من اعتقاد في الكلية والثبات والتعالي والانغلاق وهي كلها مفاهيم تنسف طموح المحايثة وتخدش صفاء النظرية الإيتيقية الأخلاقية وتفتح الباب أمام التبووجيا كما في رواية طفولة بلا مطر لإدريس الكريني.
إن ما يسمح لنا لرؤية واقعنا المعاصر، هو هذا الواقع الثقافي والأخلاقي والاجتماعي والفكري من أجل إعادة المكبوت التاريخي لكتابة تاريخ ماضي جديد يثور الكائن لكي يمارس حقه في التعبير والتأويل، فالمكان عند الكريني هو التجلي الأسمى والمعبر عن الوجدان التاريخي والفكري، وأيضا التفكير في اللاشعور والخيال، لأن الوعي هو البنية المستمدة من الماضي الثقافي حيث يتميز بوعي وبإرادة وقوة قادرة على التجاوز والتخطي، وبأسئلة التي تمس وجود الإنسان، فالكريني يطرح أسئلة زمكانية ووجودية – والقيم – والوعي – والمعرفة – فطموح المهمش هو امتداد انطولوجي يتحقق العودة إلى الأرض حيث يختزل التاريخ في الكتابة لا في واقعه، بل أيضا في واقعه الإبداعي، لأن المواطنة مرتبطة بالصورة والتشكيل الجسدي، حيث يشكلان مدخلا للتحليل الاجتماعي والطقسي، فالمواطنة إذن رهينة قضية سياسية إنسانية ومكانية وزمانية، لأنه بجميع أشكاله وتأملاته يعد بدءا وبداهة من باب المجاهدة من أجل المواطنة، المصنعة إذن فالحق في الحرية والشخصية، لا يوازيه غير الحق في العشق والعيش في المتعة الجمالية والتعبير الاجتماعي، والفكري البصري، لذا يعد الكريني الفكر ضربا من ضروب المواطنة، الاجتماعية، إنها مواطنة أصلية، لا سياسية سابقة عن المواطنة المرتبطة بالأمكنة في بعدها المتداول والمحتمل لأن المكان هو قانون الوجود، وأن المواطنة هي علم السياسة تكمله، فهي قبل كل شيء علم السلطة، أما القانون فهو قانون الأسرة السائدة، فهي التي طورت هذا القانون التربوي الذي استمده بتطلعه نحو المستقبل، لذا فالسياسة القبلية أزالت الحجاب بين المواطنين والقانون السائد، لأن التربية هي اكتساب لدى الطفل المعارف والسلوكات، وأيضا الخضوع، وتدل التربية على القيم والمعارف وكذا الممارسة الشخصية التي تنمي الشخص معرفيا، وفيزيقيا وذهنيا، لأن الرواية هي منفتحة على كل المعارف المحلية والمدينة، هدفها هو تنمية استعداد الفرد والوصول إلى الاستقلال الذاتي، لأن السياسة التربوية لا تعني الاحتكار المنظم والمشروع لوسائل التنظيم والهيكلة، لذا يقول باشلار: <<متى تكون السلطة سياسية يجب أن تمارس بشكل طبيعي، فادريس غاير محفوظ في اطروحاته، لأن هذه الضرورة الإبداعية هي التي جعلت الممارسة الذاتية ترتبط بالدستور من أجل تأكيد الأسرة والعشيرة باختيار الكتابة، لأنها السلطة المنظمة ومؤسسات القيادة والإكراه ويرى ريمون آرون في هذا العدد: <<السياسة هي دراسة كل ما يتعلق بالعلاقة القائمة بين الحاكم والمحكوم، وبتدرج السلطة داخل الجماعة>>، فالسياسة التربوية التي تنسمها هي الدلالة التي لها لغة التعدد التربوي والاختلاف والتنوع، لغة تهدف إلى بناء سياسة تربوية هادفة، لذا فكتابته عملت بتسنين القوانين المرتبطة بالمواثيق الحداثية لكي يكون الإنسان هو مقياس كل شيء، إذن فلا تربية بدون سياسة ديمقراطية، ولا هوية بدون انتماء وجودي ولغوي وجغرافي وتاريخي، بينما السلطة التربوية لابد أن تراعي فيها المصلحة العامة، والخير المشترك لأنها تشترك في جملة من الخصائص والسمات أبرزها: ظروف مشتركة، ومكان جغرافي، وشعور جماعي، وأدوار كما يقول – ANZEE MARTIN فتنوع اهتمام الكريني جعلته يناولها المكان يحول الماضي حاضرا دون حصر وإحصاء التيمات التي تم تحليلها وتأويلها، لأن ادريس الكريني يدعو بالإمساك بهذه المعطيات وظواهرها الجوهرية وإنما وظفت مختلف أنواع المقاربات بصورة نقدية، فالجمع بين السياسة القبلية والتربية أعطى لنا نوعا من المشروعية والقيمة الموضوعية، ولقد أدى هذا التطور إلى بروز اتجاهات ساهمت في تنويع كل المقاربات لهذه الظاهرة السياسية التربوية، فالتربية إذن هي مجال خصبا في هذه الرواية القابلة للدراسة وللحفر المعرفي، إذن يسمح لنا بصنع القرار من خلال القبيلة كمؤسسات التي هي أسمى مظاهر الرقي واحترام الأقلية، فالممارسة التربوية القديمة هي ممارسة لا شرعية ولا ديمقراطية، لأنها تعطي للأستاذ وللفقيه السيادة الكلية دون نقاش من طرف الطالب، لكن التربية المعاصرة أو ما (بعد الحداثة) باعتبارها الآلية القانونية التي تضفي الشرعية على تداول السلطة المعرفية والتزام المؤسسة والإدارة، والدولة بالبرامج التي وضعت من أجله كما يقول في الرواية كمشاركته في سلطة الفصل، أو الرحلة، أو الحقوق والواجبات دون خضوع للأقلية، لأن هدفه إيجاد الديمقراطية المباشرة هي تولي الشأن العام الخاص بالأسرة والمؤسساتية، وهو أمر مستحيل رغم غياب الأب وسلطته، وعبر مجموعة من الاختلافات قد تحول شخصية الطفل دون الالتزام باحترام هذه المعايير، لذا وجب تدخل الفاعل التربوي والأسري لرسم الحدود التي يجب على المدرسة المختلفة بالعمل أثناء قيامها بمهامها، حفاظا على حقوق التلاميذ، لخدمة المصلحة العامة في حدود معقولة، إن عدم الالتزام بهذا المبدأ يؤدي إلى المس بروح المواطنة والوطن، فعن طريق الأم والخالة تنشأ المبادئ والقواعد التي تشرح بعض الظواهر والعلاقات القائمة بينها، لأن وظيفة التربية هي اكتشاف النظام السائد، وفهم قوانينه التربوية التكوينية، قصد الحصول على الطرف اللازمة للسيطرة على قوى الطبيعة والتحكم فيها، إذن على الرغم من عملية التربية والتكوين هي الأسمى في المجتمع العشيري والقبلي، وقد يتبادر إلى ذهن القارئ سؤال مهم لماذا هذه المقارنة؟ فالجواب يبقى مفتوحا قابلا للنبش وللتأويل، لأن محفوظ استحضر شخصيته التي دخلت المسجد للتعلم كما دخل ادريس الكريني للتعلم كما دخلها سعيد مهران، وكان يساعد أباه، أما الطفل ادريس بدوره فهو رجل الدار لأن الأب يعيش في ديار الغربة (فرنسا)، فسعيد تعلم المبادئ من الطالب الجامعي رؤوف علوان، أما الطفل فقد تعلم من المعلم والأستاذ ومن عالم الرحلة التي قام بها إلى فرنسا، حيث انتقل من مرحلة الكمون إلى مرحلة المعرفة المكتسبة، فتولدت لديه رؤية جديدة كما تولدت عند سعيد مهران، فهذا الأخير لم يبع المبادئ كما باعتها الشخصيات الروائية، والطفل ادريس لم يتخلص من الأسرة والعشيرة والقبيلة رغم انتقاله للدراسة بمدينة مولاي ادريس وفاس، بقي أليفا لها رغم تمرده ضد بعض التقاليد الفطرية التي دونتها في “طفولة بلا مطر”، أما سعيد قد سرق الآخر، كما سرق الطفل ادريس الكريني، وتعلم سعيد كيفية مواجهة الحياة كما واجهها وحده الطفل ادريس، كل هذا يبقى عنصر الثقافي هو سيد الميدان، لأن سعيد يريد أن يعيد لذاته الحرية التي فقدها من طرف الخونة، والذين باعوا الوطن والأحلام، بينما الطفل ادريس لم يعد مسالما بل تسلح بالمعرفة فانفتح على المدنية وغيرت سلوكه بعدما زار أحد الأقارب القاطن بالفيلا كما سكنها رؤوف علوان أستاذ سعيد مهران، فأحس الطفل ببرودة الاستقبال والدهشة حول العالم التي تعيشه هذه الأسرة الثرية، انثالت عليه الأسئلة من كل جهة، فغادر مع أمه دون جواب يذكر، وبدأت الأم بدورها تحن إلى وكرها القديم رافضة هذه الحداثة المعطوبة، أما هدف سعيد هو إعادة الأحلام التي وعد بها جمال عبد الناصر سعيه وخاصة الحرية، والديمقراطية والعيش الرغيد، لكن كل شيء قد تبخر واحترق فبرزت اللصوصية في كل مكان، أما في طفولة بلا مطر، فالطفل لم يكن مسالما، بل مسكونا بالرسم والتمثيل، تمرد على الطقوس الفطرية فبدأ يعرف موقعه في هذا الوجود فاكتسب خبره من خلال رحلاته إلى السوق وإلى المدينة، كل هذا أمده برؤية تخيلية جعلته يعيد النظر في شروط الحياة، وخاصة عندما زار “ظهر المهراز” التي جعلته يتطلع لكي يكون فاعلا في هذا المجتمع البدوي، فامتهن كلية الحقوق، وعرف على ذاته والآخر، فأصبح مثل سعيد مهران، رغم أن المجتمع لا يعترف بالكتب ولا بالثقافة، فسعيد مهران أراد أن يعيد أملاكه من الشيخ الجندي فلم يعطيه إلا كتبه بحضور المخبر الذي أكد بسرقتها أيضا وهذا دليل على عدم اهتمام بالثقافة، أما الطفل ادريس لم يعش هذه المرحلة، بل هدفه هو استرجاع هذا العالم المهمش الذي لا زال يعمل في ذاكرته، وهذا الاستحضار جعلنا نعرف من هي هذه الشخصية أولا؟ وثانيا نعرف كيف يفكر الطفل خارج الهامش من أجل الكتابة، فهذا يشكل من خلال هذا كله إقامة الفوارق الاجتماعية بين المركز والهامش كما عند نجيب محفوظ، فسعيد مهران مثل الطفل البدوي ادريس ينتمي إلى الهامش دون المركز هدفها هو الانخراط في الحياة لإبراز الشخصية العالمة، ولكن هذا الانخراط في هذه التربة اختلفت حسب اختلاف البعد الزمكاني، والتاريخي، لأن محفوظ أراد أن ينتقد الوضع في مصر، والطفل ادريس أراد أن ينتقد الوضع في المغرب وهذا ما يتطلب من دراسة عميقة وأملي وطيد أن أكون قد عالجت قضية من قضايا المجتمعات العربية وهي دور الثقافة والمثقف، فسعيد مهران يريد أن ينتقد الهامش الذي عاش في مصر، وذلك بعد الحلم الذي ناد به “الضباط الأحرار” ولكن لم يرى أي تغيير يذكر سوى بروز الزبونية والمحسوبية واللصوصية، لذا انتقد كل من باع المبادئ كرؤوف علوان، والمعلم طرزان، وعليش، وزوجته نبوية، لكن في طفولة بلا مطر، نجد ادريس الطفل لم يعش مثل هذه الأزمة، بل حاول أن يطرح قضية الأسرة المرتبطة بوعيها الشقي حسب تعبير جورج لوكاتش، وقضية الهامش التي تعيشها هذه الأجساد بعدما حل فيها الجفاف والقحط، ثم ذكر في روايته تطور هذه الشخصية المتحولة من الفطري إلى المكتسب لكي تتبوأ منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة وقد أكد بورديو على أهمية القيم غير المادية المتميزة عن سلطة النفوذ، بأنها رأسمالي ثقافي وهو نتاج المعارف الأخلاقية والكفاءات النفسية، ومجمل القدرات التي يكتسبها الفرد من خلال نشوءة الاجتماعي.