حطاب الساعيد
في المغرب تصبح الوطنية واجبا مقدسا يلقن في المدارس ويردد في الإعلام، ويستغل في الحملات الانتخابية، لكن حين يصل الأمر إلى الثروة الوطنية تغلق الأبواب، وتوزع الامتيازات على قلة من المحظوظين. فهل نحن فعلا شركاء في هذا الوطن؟ أم مجرد عمال في أرض يملكها غيرنا؟
يطلب من المواطن أن يحب وطنه، أن يضحي، أن يجند، أن يصبر على غلاء الأسعار، وضعف الخدمات، وانعدام العدالة الاجتماعية، لكنه لا يستشار في توزيع الثروة، ولا يشرك في رسم السياسات، ولا يمنح أبسط حقوقه في التعليم، الصحة، والسكن الكريم.
نحن نعيش في بلد غني بالفوسفاط، الذهب، النحاس، الألماس الأزرق (الأسماك)، والطاقات المتجددة لكن من يستفيد؟ هل المواطن البسيط الذي يعيش في الجبال والبوادي؟ أم فئة محدودة تحولت إلى “طبقة ما فوق وطنية”، تعتبر الثروة إرثا خاصا لا يحق للآخرين حتى الحديث عنه؟
الوطنية لا تعني أن تصمت أمام الظلم، بل أن تطالب بعدالة في اقتسام خيرات البلاد. من غير المقبول أن تطالب الأمهات الفقيرات بتربية أجيال وطنية، بينما أبناء النخبة يربون في مدارس البعثات، ويعالجون في مصحات الخارج، ويعينون لاحقا في مناصب لا يعرفون عنها شيئا سوى لقبها.
ففي دول مثل النرويج وفنلندا وسنغافورة تمثل الثروة الوطنية ملكا عاما، وتستثمر في الإنسان أولا. التعليم مجاني وعالي الجودة، الصحة متاحة للجميع، والشفافية قاعدة لا استثناء. أما في المغرب فالثروة تدار كأنها شركة عائلية، والمواطن فيها عامل مؤقت بدون ضمانات.
الوطني الحقيقي هو من يرفض الظلم باسم الدولة، لا من يصفق له. وهو من يطالب بنصيبه من الثروة، لا من يرضى بالفتات تحت شعار “اصبر، فالصبر عبادة”. فهل الوطنية تعني أن نموت في طابور المستشفى بينما آخرون يعالجون في باريس؟ هل تعني أن ندفن في مدارس منسية بينما هم يدرسون في كندا وإنجلترا؟ هل تعني أن نصفق في الحملات ونركل في الواقع؟
إذا كانت الوطنية التزاما منا جميعا، فلتكن الثروة التزاما من الدولة تجاه الجميع. أما أن تصبح “الوطنية” سيفا يرفع في وجه المطالبين بحقوقهم، بينما توزع ثروات البلاد في الغرف المغلقة، فذلك ليس حبا للوطن، بل احتكارا له.
الوطن لا يختزل في خريطة ونشيد، بل في عدالة تشعر كل مواطن أن له مكانا فيه… وثروة تخصه، لا تمنح له صدقة ولا تصادر منه بحجة الوطنية.