حميدطولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
لا بد أن مدينة فاس تعيش هذه الأيام شيئًا يشبه موسم “الانقلاب الهادئ”، بعد أن حل بها السيد خالد آيت الطالب، والي جهة فاس مكناس، الذي لم يأتيها كما يأتي الولاة عادة: ليجلس على كرسيه، ويوزّع الابتسامات وينشغل بالبرتوكول. الرجل جاء — فيما يبدو —ما إن وطئت رجله عتبة مكتبه الجديد، حتى أخرج من جيبه مِجهرا إلكترونيا عالي الدقة، لا يترك شاردة ولا واردة تمرّ من تحت الطاولة ، وصوبه نحو مكتب جماعة فاس التي بدأت بعض الوجوه بها تفقد ألوانها، وترتبك ألسنة بعضها، وتصطك أسنان “المستفيدين من الصفقات” ويتساءلون بقلق طفولي:
“واش عقو بنا؟…واش هاذ الوالي باغي بصح يطبق الدستور ، ويربط المسؤولية بالمحاسبة ،و لا غير هدرة ديال الدراري ؟”.
ما تعيشه فاس هذه الأيام يعد خطوة ثورية أكثر مما كانت عليه الثورة الفرنسية نفسها على بعض المسؤولين على تدبير المال العام با والذين أصبح وضعهم يشبه حكاية أصحاب الدلاح الذي اقتسمه بالتساوي بينهم حراسه من أصحاب السوابق الإدارية الناعمة.
الحكاية التي تذكّر بالقة/الحكمة الشعبية الخالدة:”لي كلى الدلاح لازم يـخْـ… الزريعة.”
والمصيبة يا سادة، أن زريعة الدلاح “تفرش” آكلوها ، خاصة في فاس اللي ولّات بحال الضيعة:”كل واحد كيسقي دلاحو، وكيبيع المنتوج تحت الطاولة، ويحمد لله على نعمة “الشطارة”!
لكن اليوم، ومع قدوم الوالي الجديد، وقراره فتح ملفات الرخص، والصفقات، واستغلال الملك العمومي، صار المشهد أقرب إلى غزالة دخلات لدار الصيّاد: الكل يركض، الكل يتظاهر بالبراءة، والكل يبحث عن فتوى قانونية ينقذ بها نفسه.بدأ ممن حول المسبح البلدي المغطى ،من مرفق عمومي إلى “مشروع مقاولاتي”إلى الذين تلاعبوا بملاعب القرب و”الكرنا” وغيرها كثير..
وكما يقال :”إذا كان لكل مدينة فائضحها، ففضيحة “المسبح البلدي المغطى القرويين”
هي أفضح فضائح فاس ، التي تحوّل فيها، بلمسة سحرية، مسبحا من مرفق مجاني إلى بقرة حلوب يتقاسم حليبها من لا علاقة لهم بالرياضة إلا عبر “مفاتيح الإدارة” ، العمدة، مدير المصالح، وموظفون “حريصون على المصلحة العامة” الذين وجدوا أنفسهم فجأة وسط عاصفة أسئلة:
كيف؟
من؟
ولماذا؟
ومن الذي كان يسبح فعلًا؟
ومن الذي كان “يُعوّم”الميزانية؟
الولاية — مشكورة — أرسلت طلبًا رسميًا للتوضيح.
والمجلس — بطبعه — يبحث عن التوضيح المناسب الذي لا يفسر شيئًا ولا يغيّر شيئًا، و”ما كيبردش الخاطر”.حتى بعد الإغلاق.
ما يفعله آيت الطالب اليوم ليس بطولة، بل مجرد تنفيذ للرؤية الملكية في التخليق والحكامة، وتفعيل لتوجيهات وزير الداخلية الذي قالها بصراحة:”زمن التساهل سالا.”
وطبعًا، حين يسمع البعض كلمة “تخليق”، يعتقدون أنها دورة تكوينية في التنمية البشرية ،لكن الحقيقة أنها تعني شيئًا واحدًا:
نهاية عهد “الدلاح لنا لا لغيرنا”و”دلاحنا ما يديه غيرنا”.
وخلاصةالقول أن موسم الصيد قد فتح، والصياد هذه المرة يعرف الهدف،دون ضغينة لأحد، ودون تسام مع من حاولوا إذلال العاصمة العلمية فاس ، والإقتصاص ممن كانوا يفاوضون على مصالحها كما يفاوض البعض على ثمن خروف العيد.
والوالي اليوم — شاء بعض “الدلاحيين” أم أبوا — فتح بابًا جديدًا: باب المساءلة، باب المحاسبة، باب تنظيف البيت من الداخل. وهذه فقط… الحلقة الأولى.
والقادم؟
قادم…
وليعلم كل من أكل دلاح فاس، بأن هضمه هذه المرة أصبح عسيرا. والعدل قادم، والحق لا يموت مهما طال الليل.