الولاء الحزبي… قميص يُبدَّل على مائدة الفرص

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

 

في المغرب، لا يحتاج الولاء الحزبي إلى قناعة، بل إلى مرآة، مرآة تُسأل فيها الأسئلة الصحيحة: أين الكرسي؟ من الأقرب إلى السلطة؟ ومن يوزّع الدعوات؟
وحين تُغادر حسناء أبو زيد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نحو أفقٍ حزبي آخر، فالقصة –مع كامل الاحترام للأشخاص– لا تتعلّق بها وحدها. إنها مجرّد حلقة جديدة في مسلسل طويل عنوانه:
الولاء الحزبي في المغرب… مجرد قميص يُبدَّل حسب الموسم.
الميركاتو الانتخابي… حين تصير السياسة دوريًا بلا جمهور
مشهد التنقّل بين الأحزاب بات مألوفًا حدّ الملل ، يساري، يميني، إسلاموي، ووسطيّ “بالقطعة”… الجميع يستوي على طاولة واحدة، حيث تتحوّل الإيديولوجيا إلى إكسسوار انتخابي، والانتماء إلى بطاقة عبور مؤقتة.
السياسة، عند كثيرين، لم تعد مشروعًا مجتمعيًا، بل حسابًا تكتيكيًا: من يربح أكثر؟ من يضمن المقعد؟ ومن يوقّع أسرع؟
هكذا يتحوّل “المناضل” إلى لاعب احتياط، لا يدخل الملعب إلا إذا ضمنت له الإدارة الرسمية دقائق لعب مريحة، وتعويضات مجزية.
من الهامش إلى الواجهة… الكل سواسية في الترحال
في هذا الميركاتو، لا فرق بين سياسي مغمور في ذيل الترتيب، واسم “وازن” يُحسب له ألف حساب ، الكل يبدّل، والكل يبرّر، والكل يتقن لغة “المصلحة العليا” حين تطرق باب الحسابات الشخصية.
والنتيجة؟ مشهد سياسي مترهّل، أصابه التفسّخ الأخلاقي، وتحوّلت فيه الممارسة السياسية إلى لعبة فرص، ضاع معها معنى الالتزام، وتآكلت ثقة المواطن، الذي بات يتساءل –بحق–:هل كان أحدهم صادقًا يومًا؟ أم أننا أمام سباق جماعي نحو الكراسي؟
السلوك الذي دفع بمحمد خلف الله للتساؤل في تدوينته الشهيرة: “أليس فيكم من يخجل؟”، التساؤل الخطير الذي لم يكن صرخة أدبية، بل توصيفًا دقيقًا لحالة سياسية تتباهى بما يُستحى منه، وتعتبر التلوّن “دهاءً”، والنكوص “حنكة”.
وبين ركام، الضمائرٌ المؤجَّلة، والمروءةٌ المنسية، والوقاحةٌ المطمئنّة إلى القبح ، الذي تورّثه الأسماءً المثقلة بالعار للأجيال.

لا بأس من تسجيل موقف استثنائي -لا يُقاس عليه – اختيار عزيز أخنوش مغادرة قيادة حزبه بطريقة منظّمة، عبر مؤتمر استثنائي، في خطوة تحسب له من حيث تحمّل المسؤولية الحزبية، بغضّ النظر عن التقييم السياسي لأدائه الحكومي، الذي يظل محلّ خلاف واسع.
مغادرة في الوقت المناسب، أفضل –على الأقل– من سباق محموم نحو الكرسي، بخطب مستهلكة ووعود محفوظة عن ظهر قلب، تعد بعودة بعض الوجوه القديمة إلى الواجهة، لـ“محاربة الفساد” و“إنقاذ البلاد”، وكأن شيئًا لم يكن أو كأن ذاكرة المغاربة… ذاكرة سمكة
المثير للسخرية، بل للدهشة، هو أن التعطش للحكم لا يتعلق بحزبٍ دون آخر، ولا بشخصٍ دون غيره، بل هو أزمة ولاء سياسي، يصبح الانتماء فيها وسيلة، لا قيمة، ويُختزل العمل السياسي في سؤال واحد:
أين الكرسي؟
وصدق من قال: إن لم تستحِ ،فاصنع ما تشاء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *