المغرب أولًا، ثانيًا، ثالثًا، عاشرًا، وأبدًا .

حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

 

من غرائب هذا الزمان، بل من طرائفه السوداء، أن ترى مواطنًا مغربيًا، يحمل هوية بلد ضارب في التاريخ، ويعيش تحت سقف دولة لم تُبنَ على الميليشيات ولا على تصدير الفوضى، ويخرج باكيًا، نادبًا، متحسرًا على نظامٍ جعل من تخريب الدول عقيدة، ومن إشعال الحرائق الإقليمية سياسةً خارجية، ومن سحق شعبه هوايةً يومية.
المفارقة الساخرة – حدّ الإيلام – أن الشارع الإيراني نفسه يعيش اليوم لحظة انفلات نفسي تاريخية، أقرب إلى زفير طويل بعد اختناق دام عقودًا. جماهير ترقص، تغني، تطلق الألعاب النارية، لا لأن الكهرباء عادت أو الخبز رخص، بل لأن كابوس “الوصاية المقدسة” بدأ يتشقق. هذه ليست نزوة شبابية ولا فوضى عابرة، بل إعلان دفنٍ رمزي لعقود من حكم شمولي صادر الحياة باسم السماء، وخاض الحروب باسم المستضعفين، ولم يُنتج سوى المقابر.
ومع ذلك، وفي خضم هذا التحول الجيوسياسي العميق، يخرج علينا في المغرب – ويا للأسف – ما يمكن تسميته بـ“الكائنات الإيديولوجية المحنطة”، أصوات نشاز خرجت من كهوف الحرب الباردة، لا تزال تؤمن أن كل من يعادي الغرب هو بالضرورة ملاك، ولو كان يذبح شعبه صباح مساء، ويحوّل الجوار إلى ساحات خراب.
هؤلاء لا يرون في الأنظمة إلا شعاراتها، ولا في الواقع إلا ما يناسب أساطيرهم. يصفقون لأي نظام يرفع لافتة “المقاومة”، ولو كان مقاومًا للحياة، معاديًا للحرية، متفننًا في تفريخ الميليشيات. والأسوأ من ذلك، أنهم يحاولون فرض وصاية أخلاقية على المغاربة الغيورين على وطنهم وعلى ملكهم نصره الله، وكأن الوطنية تُقاس بكمية الدموع المسكوبة على أنظمة بعيدة، لا بمدى الدفاع عن مصالح الوطن القريبة.
والسؤال البديهي الذي يفرض نفسه: كيف لمغربي أن يتعاطف مع نظام سخّر دبلوماسيته وسلاحه لتدريب وتسليح ميليشيات انفصالية تستهدف وحدة بلاده الترابية؟ كيف ينسى – أو يتناسى – أن هذا النظام نفسه سعى، بتنسيق مفضوح مع أنظمة عسكرية إقليمية، إلى تطويق الأمن القومي المغربي، وتصدير الفوضى إلى شمال إفريقيا، بينما كان يوزع الابتسامات الدبلوماسية في عواصم أوروبية؟
إن انهيار رأس الهرم السلطوي في إيران ليس حدثًا عاطفيًا، بل زلزال استراتيجي يضرب ما يُسمّى زورًا بـ“محور المقاومة”، ذلك المحور الذي لم يُنتج سوى دولا مدمّرة، وشعوبا منهكة، وأوطانا مختطفة. سقوط هذا النموذج يعني – ببساطة – تجفيف أحد أهم منابع تمويل التخريب الإقليمي، وقطع الأوكسجين عن شبكة واسعة من البيادق التي اعتاشت على الفوضى.
أما المغرب، دولةً وأمة، فلم يكن يومًا بلد شماتة ولا ردود فعل انفعالية. مواقفه تُبنى بالعقل لا بالدموع، وبالمصلحة العليا لا بالنواح الإيديولوجي. تضامننا مع الشعب الإيراني هو تضامن مبدئي مع حقه في بناء دولة مدنية، ديمقراطية، تحترم الإنسان وتعيش بسلام مع محيطها. أما ثوابتنا الوطنية، فغير قابلة للمساومة، وكل من يهدد وحدتنا الترابية، مهما تلحف بالشعارات، فمكانه الطبيعي هو مزبلة التاريخ.
إن هذا الاستلاب الفكري الذي تعانيه أقلية من الأصوات عندنا يكشف فقدانًا خطيرًا للبوصلة، واستعدادًا مريبًا لرهن الأمن القومي في مزاد الإيديولوجيات البالية. ومع ذلك، لا خوف على بلد يعرف أبناؤه أن الوطنية ليست صراخًا في الشوارع، بل وعيًا بالمصالح، وحمايةً للكرامة.
ويبقى السؤال الأكثر سخرية وإيلامًا: لماذا تصدح هذه الحناجر حماسًا لنظام يبعد آلاف الكيلومترات، وتصاب بالبكم حين يتعلق الأمر بمحاربة الغلاء، وارتفاع الأسعار، والدفاع عن القدرة الشرائية للمغاربة؟
أهي الإيديولوجيا أهم من الخبز؟ أم أن الكرامة الوطنية تُستورد، ولا تُستهلك محليًا؟
في السياسة، لمن نسي أو تناسى، لا توجد “نيّات طيبة” ولا “عواطف نبيلة”.
هناك شيء واحد فقط: المصالح. وكل من لم يفهم هذه القاعدة، سيظل يصفق للجلاد،، ثم يستغرب لماذا يُجلد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *