البعثات الأجنبية لأبناء الشيوخ و الكتاتيب لأبناء للمكلّخين.

حميد طولست .
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في المغرب، لا تحتاج إلى البحث طويلًا لتكتشف واحدة من أعجب المفارقات الاجتماعية والثقافية: فئة ترفع شعار محاربة “الغزو الثقافي الغربي” صباح مساء، وتُحذّر من الفرنسية والإنجليزية وكأنهما طريق سريع إلى جهنم، لكنها في المساء ذاته تُرسل أبناءها إلى باريس، مونتريال، لندن أو حتى بكين، كي ينهلوا من نفس “الغزو” الذي حذّروا منه قبل ساعات فقط.
إنها مفارقة لا تحتاج إلى تحليل عميق بقدر ما تحتاج إلى قدر من الفكاهة السوداء ، لأن ما يجري أحيانًا أقرب إلى مسرحية عبثية منه إلى نقاش تربوي جاد.
فمن جهة، هناك خطاب حاد يصرّ على أن اللغة العربية هي “لغة الجنة”، وأن من يدرّس أبناءه بالفرنسية أو الإنجليزية كأنه يغامر بمستقبلهم الدنيوي والأخروي معًا، ويُقدَّم هذا الطرح باعتباره خيارًا هوياتيًا ودينيًا لا يجوز حتى مناقشته.
لكن من جهة أخرى، وحين يتعلق الأمر بأبناء هؤلاء أنفسهم، تختفي فجأة كل هذه “الغيرة اللغوية”، ويصبح التعليم بالفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية أو الصينية ، ضرورة استراتيجية، لا بد منها لضمان مستقبل الأبناء.
وهنا نتذكر نموذج “دكتور فاس”، الذي “فرع للناس راسهم” سنوات طويلة بكون العربية لغة الجنة، وأن غيرها مجرد لغات متخلفة لا تصلح حتى للتواصل في الآخرة ، قبل أن يُفاجأ الناس بإرسال ابنته إلى فرنسا لتصبح مهندسة ، باللغة الفرنسية نفسها التي كان يُحذّر الناس منها.
والأطرف من ذلك، أن الابنة تخرجت سافرة – حسب المقاييس التي كان الشيخ “الزكتور”نفسه يلقّنها للناس – دون أن نسمع عن “خطبة نارية” أو “فتوى عاجلة” أو حتى درس استثنائي حول خطورة السفور في جامعات الغرب.
وهنا لا يسع المتابع إلا أن يتساءل: هل الحجاب واجب على بنات “العوام” فقط؟ وهل الفرنسية حرام على أبناء الفقراء ، وحلال على أبناء الشيوخ؟
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض هؤلاء الشيوخ لا يكتفون بإرسال أبنائهم إلى مدارس البعثات الأجنبية، بل يفتخرون أيضًا بأن أبناءهم يدرسون في مدارس الراهبات، لأنها – بكل بساطة – أفضل تعليمًا من المدارس الوطنية التي يُطلب من أبناء الشعب الاكتفاء بها ، والصبر عليها ، والدفاع عنها ، باعتبارها “خيارًا هوياتيًا”.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: إذا كانت اللغة العربية وحدها كافية لصناعة المستقبل الواعد ، فلماذا لا يطبق هذا الخيار على أبناء الشيوخ أنفسهم؟
وإذا كان التعليم الديني القائم على الحفظ والتلقين هو الطريق الصحيح ، فلماذا لا نرى أبناء هؤلاء يتسابقون إلى الكتاتيب بدل الجامعات الدولية؟
الحقيقة أن ما يجري ليس مجرد تناقض بسيط ، بل هو نوع من “التوزيع الطبقي للمعرفة”:تعليم حديث لأبناء النخبة وتعليم تقليدي لأبناء الشعب …
بعبارة أخرى: أبناءهم يتعلمون كيف يفكرون وأبناء الفقراء يتعلمون ماذا يفكرون.
أبناءهم يتعلمون الذكاء الاصطناعي ، وأبناء الشعب يتعلمون “قال فلان عن فلان عن فلان.
أبناءهم يدرسون في مختبرات العلوم ، وأبناء الفقراء يحفظون نصوصًا قديمة دون أن يُسمح لهم حتى بطرح سؤال.
إنها ليست فقط ازدواجية في الخطاب ، بل أيضًا هندسة اجتماعية غير معلنة، تُبقي الفجوة قائمة بين من يمتلك أدوات العصر، ومن يُطلب منه فقط أن يتكيّف مع واقع محدود.
وفي النهاية، يبدو أن بعض الشيوخ مقتنعون تمامًا بالمقولة: “التقدم لأولادنا والأصالة لأولاد الشعب ، الذين فيكفيهم أن يحفظوا أن العربية لغة الجنة ، بينما أبناء الشيوخ يحجزون مقاعدهم في جامعات الدنيا تحسبًا للجنة لاحقًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *