الجديد بريس
في ظل التحولات المناخية المتسارعة التي يعرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، لم يعد تدبير الموارد المائية مجرد شأن تقني أو ظرفي، بل تحول إلى رهان استراتيجي يمس الاستقرار الاجتماعي والتنمية الترابية. وفي هذا السياق، يكتسي الاجتماع الذي ترأسه سمير اليزيدي يوم 23 أبريل 2026 أهمية خاصة، باعتباره يعكس وعياً متزايداً بخطورة الوضع المائي بإقليم قلعة السراغنة، وسعياً لتفادي سيناريوهات العطش التي باتت تهدد عدداً من المناطق:
الاجتماع التقني لم يكن مجرد لقاء إداري روتيني، بل جاء في سياق ضاغط تفرضه إكراهات الجفاف وتراجع الموارد المائية التقليدية، خاصة الفرشات المائية التي تعرف استنزافاً متواصلاً. وهنا تبرز مدينتا تملالت وسيدي رحال كنموذجين لمناطق أصبحت في قلب هذه الأزمة، ما استدعى التفكير في حلول استعجالية لضمان استمرارية التزويد بالماء الصالح للشرب.
منطق الاستعجال… حلول ترقيعية أم ضرورة مرحلية؟
الإجراءات التي تم الإعلان عنها، مثل تسريع حفر الآبار وتحويل الثقوب الاستكشافية إلى استغلالية، تعكس اعتماد مقاربة استعجالية تهدف إلى سد الخصاص الآني. ورغم أهمية هذه الخطوات في تفادي الانقطاعات، إلا أنها تطرح تساؤلات حول استدامتها، خاصة أن الاعتماد المفرط على المياه الجوفية قد يؤدي إلى مزيد من الاستنزاف في غياب تجديد طبيعي كافٍ لهذه الموارد.

بعبارة أخرى، هذه الحلول تشبه “مسكنات” ضرورية لتفادي الأزمة الفورية، لكنها لا يمكن أن تعوض الحاجة إلى رؤية بعيدة المدى تقوم على تنويع مصادر التزود بالماء، كتحلية مياه البحر أو إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وهي خيارات بدأ المغرب يراهن عليها في مناطق أخرى.
المشروع المهيكل… أمل استراتيجي مؤجل :
في مقابل التدابير الاستعجالية، يبرز المشروع المرتقب لتقوية تزويد الإقليم انطلاقاً من محطة القدية بالدزوز كحل هيكلي واعد، بقدرة أولية تصل إلى 400 لتر في الثانية. هذا المشروع، في حال استكماله، قد يشكل نقطة تحول في تأمين الأمن المائي للإقليم، غير أن الإشكال يكمن في عامل الزمن: فالتأخر في إنجازه يفرض اللجوء إلى حلول ظرفية قد لا تصمد طويلاً أمام الطلب المتزايد.
إشكالية الحكامة والتدبير التقني :
من بين النقاط اللافتة في الاجتماع، التأكيد على تحسين مردودية الشبكة وتقليص ضياع المياه، وهو معطى بالغ الأهمية. إذ تشير التقديرات في عدد من المدن المغربية إلى أن نسبة مهمة من المياه تضيع بسبب التسربات أو ضعف البنية التحتية. وبالتالي، فإن تحسين النجاعة التقنية قد يوفر كميات مهمة من الماء دون الحاجة إلى تعبئة موارد جديدة.
كما أن دعوة العامل إلى تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين تعكس إدراكاً بأن أزمة الماء ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي نتيجة تداخل أدوار بين الجماعات الترابية، والمكتب الوطني أو الشركات الجهوية، والسلطات المحلية .

البعد الاجتماعي… الماء كحق أساسي :
لا يمكن فصل هذا النقاش عن البعد الاجتماعي، فالماء الصالح للشرب ليس مجرد خدمة، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان. وأي اضطراب في التزويد به قد يؤدي إلى توترات اجتماعية، خاصة في المناطق التي تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية. لذلك، فإن التحرك الاستباقي الذي أبدته السلطات الإقليمية يندرج ضمن منطق الوقاية من الأزمات بدل التعامل معها بعد وقوعها.
نحو مقاربة شمولية للأمن المائي :
في المحصلة، يكشف هذا الاجتماع عن مفارقة واضحة: من جهة، هناك وعي متزايد بخطورة الوضع واستعداد لاتخاذ إجراءات سريعة، ومن جهة أخرى، تظل الحاجة ملحة إلى رؤية استراتيجية شمولية تدمج بين التدبير الاستعجالي والإصلاح الهيكلي.
فأزمة الماء في المغرب لم تعد ظرفية، بل أصبحت واقعاً دائماً يفرض إعادة التفكير في نماذج الاستهلاك، وتحديث البنيات التحتية، وتعزيز ثقافة الاقتصاد في الماء. وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين تلبية الحاجيات الآنية وضمان حق الأجيال القادمة في هذه الثروة الحيوية.