حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
قبل سنوات كنا نعتقد أن كرة القدم لعبة، وأن المدرب موظف يمكن تقييم عمله، وأن المسؤول الرياضي بشر يخطئ ويصيب. لكن يبدو أننا كنا نعيش في ضلال مبين، لأننا اكتشفنا مؤخراً أن بعض المسؤولين ارتقوا إلى مرتبة “الأولياء الصالحين لكرة القدم”، وأن انتقاد قراراتهم يدخل في باب الكبائر الرياضية التي تستوجب التوبة والاستغفار.
فإذا سألت مثلاً: لماذا أُقيل مدرب وطني ناجح؟ قيل لك: اصمت، فأنت لا تفهم في المشروع.
وإذا تساءلت: لماذا تم استبدال إطار مغربي أثبت كفاءته بمدرب أجنبي لا يعرفه إلا وكيل أعماله؟ قيل لك: أنت سلبي وتعيش على التشاؤم.
وإذا طالبت بتفسير منطقي لسلسلة التغييرات المتكررة، اتُّهمت فوراً بأنك ضد التطور وضد الاحتراف وضد الكرة الحديثة وربما ضد دوران الأرض حول الشمس.
في زمن مضى كانت يعمل بالقاعدة : “لا تغيّر الحصان الفائز”، أما في بعض دوائرنا الكروية فقد أصبحت القاعدة: “كلما فاز الحصان أسرع إلى تغييره قبل أن يعتاد على الفوز”.
مدرب وطني يحقق لقباً قارياً؟ ممتاز… هذا سبب إضافي للبحث عن بديل له!
إطار مغربي يكوّن جيلاً واعداً؟ رائع… لكن لا بد من إيقاف المشروع قبل أن تظهر نتائجه كاملة، حتى لا يصاب أحد بالملل من كثرة النجاح.
أما المدرب الأجنبي، فهو كائن أسطوري لا يُسأل عما يفعل ، حتى وإن خرج من المنافسة مبكراً، أوقدّم أداءً باهتاً، أو بدا أثناء المباراة كأنه ينتظر موعد الطائرة أكثر مما ينتظر هدفاً لفريقه، ومع ذلك يبقى محاطاً بهالة من التقديس لا يفهم سرها إلا الراسخون في علوم التعاقدات.
والغريب أن المدرب المغربي أصبح مطلوباً في الخارج أكثر من الداخل ، وتتسابق دول ومنتخبات للاستفادة من خبراته، بينما بعض مسؤولينا يتعاملون معه وكأنه منتج محلي لا يليق إلا للتصدير.
ثم يخرج علينا البعض مستنكراً أي نقاش أو نقد، وكأن الجماهير مطالبة بالتصفيق الدائم مهما كانت النتائج، وأن دورها الوحيد هو ترديد: “أحسنتم… واصلوا… لا نريد أن نعرف لماذا ولا كيف”.
والحال أن الجماهير لا تطالب بمعجزات، بل بمنطق بسيط: إذا نجح إطار وطني فمنحه الاستمرارية أولى من البحث عن تغييره من أجل التغيير ، وإذا كان المشروع ناجحاً فلا داعي لهدمه كل بضعة أشهر وإعادة بنائه من الصفر تحت عنوان “الرؤية الجديدة” التي لا يلبث أن يبتلعها مشروع أحدث منها.
يبقى السؤال الذي يراود عشاق الكرة المغربية: هل نحن أمام مشروع رياضي طويل المدى، أم أمام مختبر تجارب مفتوح تُجرَّب فيه الأفكار والمدربون والقرارات كما تُجرَّب وصفات الطبخ على مواقع التواصل؟
لأن الفرق بين المشروع والتجريب أن الأول يعرف إلى أين يسير، أما الثاني فيكتشف وجهته بعد أن يضيع الطريق.
•