حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في مشهد يصلح أكثر لفقرة كوميدية منه لاجتماع سياسي، يحكى أن محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، خاطب حشدًا من الأتباع قائلاً بجدية لا تخلو من الطرافة:
“لا يمكننا منح التزكية لـ مصطفى لخصم… لأن هناك متابعات قضائية ضده!”
لكن يبدو أن الرجل لم يكن يتوقع أن تأتيه الضربة المرتدة بسرعة البرق، إذ ردّ عليه مصطفى لخصم فورًا من مقعده:
“أوزين: أنت نفسك اعتُقلت في قضية أخلاقية ، وما زلت تمسك بمفاتيح الحزب!”
وهنا تحديدًا، تحولت القاعة من لقاء سياسي إلى حلقة مباشرة من برنامج “من يحرج من؟”.
وما أظن أن أوزين ابتلع لسانه لأن الحجة أفحمته، بل لأن السياسي المغربي المحترف لا يحتاج أصلًا إلى أن يكون على حق ، ويكفيه أن يكون قادرًا على الكلام ، فهو يملك جوابًا عن كل سؤال، وردًّا على كل اعتراض، واعتراضًا مضادًا على الاعتراض، ثم تعقيبًا على التعقيب، وقد يظل يناقشك إلى ما لا نهاية، ليس لإقناعك، بل لإرهاقك حتى تستسلم.
وهي موهبة نادرة يشترك فيها كثير من أمناء الأحزاب ورؤساء الجمعيات عندنا؛ أولئك الذين يستطيعون تفسير كل شيء:
من السياسة إلى الاقتصاد، ومن الرياضة إلى العلوم، ومن الفن إلى الدين، بل وقد يفتي لك أحدهم في المناخ والذكاء الاصطناعي وأسباب انقراض الديناصورات ، بين تصريحين صحفيين!
الفرق بين الرجلين، إذن، ليس في وجود المتابعات القضائية أو غيابها ، بل ببساطة شديدة: أحدهما يطلب التزكية، والآخر يوقّع عليها!
بمعنى أوضح، المعيار الحقيقي ليس: “هل لديك قضية في المحكمة؟” بل: “هل أنت صاحب الختم… أم مجرد طالب للتوقيع؟”
ما يجعلنا أمام درس بليغ في الحوكمة الحزبية المغربية! حيث المتابعات القضائية تمنع منح التزكيات ، إلا إذا كان صاحب المتابعة هو نفسه من يوزع التزكيات ، يا لها عبقرية سياسية تستحق التسجيل ضمن التراث اللامادي للمغرب.
ويبدو أنها ستحمل في جعبتها المزيد من هذه الطرائف السياسية القادرة على إضحاكنا حدّ البكاء… ولكن دون دموع، فقط بقهقهة مرة بطعم العبث.
أما المأساة الحقيقية، فهي أن السياسة عند كثيرين لم تعد تكليفًا ولا مسؤولية، بل مشروعًا عائليًا للاستثمار طويل الأمد. الأب يسلم المقعد للابن، والأم تمهد الطريق للبنت، وكأن الأحزاب صارت ضيعات انتخابية تورث لا مؤسسات وطنية للتأطير السياسي.
ولو كانت المحاسبة فعلًا مرتبطة بالمسؤولية، ولو كان شعار:
“ربط المسؤولية بالمحاسبة” يُطبق كما يُرفع في الخطب،
ولو كان كل مسؤول يعلم أن الفشل أو التلاعب أو نهب المال العام قد يقوده إلى القضاء والسجن، لاختفى نصف المتهافتين على المناصب، ولرأينا السياسيين يهربون من الكراسي بدل التقاتل عليها.
لكن، ما دامت الجماعات والوزارات تُختزل عند البعض في:
ثروة، امتيازات، نفوذ، وبذخ…
فلا غرابة أن يتحول “النضال السياسي” إلى مجرد نضال شخصي من أجل السلطة والمال ، والبحث عن “العالمية المالية” لا الوطنية.
وفي انتظار ذلك اليوم الذي تصبح فيه السياسة خدمة عمومية لا تجارة موسمية، سيظل المواطن المغربي يتابع المسرحية نفسها كل موسم انتخابي: نفس الوجوه، نفس الشعارات، نفس التناقضات ، فقط النكتة تتغير.