معضلة تشغيل الحاصلين على الإجازة في المغرب: نزيف الشواهد نحو القطاع غير المهيكل وهدر الزمن الدراسي للشباب

بدر شاشا
تمثل ظاهرة ولوج نصف الخريجين الحاصلين على شهادة الإجازة في المغرب إلى سوق الشغل غير المهيكل واحدة من أعقد المقاربات الدراماتيكية في البنية السوسيواقتصادية للمملكة، وصدمة واقعية تعصف بأحلام آلاف الشباب وعائلاتهم. إن الإجازة الجامعية، التي ظلت لعقود بمثابة المفتاح الذهبي للارتقاء الاجتماعي والولوج إلى الوظيفة العمومية والمناصب المحترمة في القطاع الخاص، باتت في ظل التحولات الراهنة عاجزة عن تأمين مسار مهني مصون؛ هذا التحول البنيوي يحول سنوات التحصيل العلمي الطويلة والمضنية من استثمار بشرى واعد إلى مسيرة من “الهدر التنموي”، حيث تجد طاقات شابة متعلمة نفسها مجبرة على ممارسة أنشطة هامشية لا تتناسب تماماً مع كفاءاتها المعرفية، مما يفرز شعوراً حاداً بالاغتراب وندماً قاطماً على زمن دراسي ضاع بين أسوار الجامعة دون مقابل يحفظ الكرامة.
تتعدد الأسباب الهيكلية التي تغذي هذا النزيف الحاد وتدفع بنصف المجازين نحو القطاع غير المهيكل، وفي مقدمتها “أزمة الملاءمة” المزمنة بين مناهج التعليم العالي ومتطلبات الاقتصاد الحديث؛ فالجامعات المغربية، وخاصة في كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية والآداب التي تستقطب الكتلة الأكبر من الطلاب، لا تزال تعتمد في جزء كبير منها على التلقين النظري والمناهج الكلاسيكية، مغفلة تطوير “المهارات الناعمة” واللغات الحية والمهارات الرقمية التي تشترطها الشركات والمقاولات الكبرى كشرط أساسي لولوج الوظائف المهيكلة. هذا التباين الصارخ يخلق فجوة عميقة عند التخرج، حيث يصطدم حامل الإجازة بواقع سوق شغل يرفض خلفيته الأكاديمية النظرية، وبالموازاة مع ذلك، يبرز ضعف قدرة الاقتصاد الوطني على خلق مناصب شغل كافية وعالية الجودة تتوافق مع التزايد الديموغرافي لعدد الخريجين، مما يسد الآفاق أمامهم ويتركهم بلا خيارات حقيقية.
أمام هذا الانسداد الأفقي التام ومحدودية مباريات الوظيفة العمومية وشروطها الصارمة كتحديد سن الولوج في ثلاثين سنة لبعض القطاعات، يجد الشاب المجاز نفسه تحت وطأة الحاجة المادية والضغط الأسري اليومي، مما يدفعه مجبراً إلى تقديم تنازلات قاسية وقبول العمل في القطاع غير المهيكل (كالتجارة الرصيفية، أو المقاهي، أو البيع بالتجوال، أو العمل المؤقت في ورش البناء والمستودعات والشركات الهامشية بلا عقود). هذا الانتقال القسري يمثل المعاناة الحقيقية واليومية لهؤلاء الشباب، حيث يشتغلون في ظروف تفتقر لأبسط الحقوق العمالية؛ فلا وجود لأمان وظيفي يحميهم من الطرد التعسفي الفوري، ولا تغطية صحية تؤمنهم ضد الأمراض، ولا تسجيل في صناديق التقاعد يضمن مستقبلهم، ناهيك عن الأجور الزهيدة واليومية التي تقل بكثير عن الحد الأدنى للأجور وتتبخر أمام لهيب الأسعار وغلاء المعيشة، مما يجعلهم يعيشون في “فقر الشغيلة” المستمر.
يمتد الأثر النفسي والاجتماعي لهذا الوضع ليحدث شرخاً عميقاً في وجدان وفكر الشباب المغربي، متجلياً في الإحساس بـ “ضياع سنوات العمر والدراسة”؛ فالشاب الذي أمضى أكثر من خمسة عشر سنة من حياته في الجد والاجتهاد وتحمل مصاريف التنقل وشراء الكتب والمراجع، مدفوعاً بوعود الخطاب الاجتماعي حول قيمة العلم، يشعر بتعرضه لـ “خديعة تنموية” عندما يرى نفسه في نهاية المطاف يقوم بأعمال بسيطة لا تحتاج لأي شواهد علمية. هذا الإحباط المزمن يقتل في نفوس الشباب روح المبادرة والطموح، وينمي لديهم نظرة سوداوية تجاه المؤسسات التعليمية، ويولد اضطرابات نفسية حادة كالاكتئاب المزمن وفقدان الثقة بالنفس، بل ويرسخ لديهم قناعة بأن الوساطة والعلاقات الشخصية هي المحدد الوحيد للنجاح وليس الكفاءة والجهد الفردي، مما يدفع فئات عريضة منهم إلى التفكير اليومي في الهجرة خارج أرض الوطن كحل وحيد ومصيري لاسترجاع كرامتهم المهدورة.
إن إنقاذ شواهد وجيل المجازين من مقصلة القطاع غير المهيكل يتطلب ثورة تصحيحية حقيقية في السياسات العمومية تجمع بين إصلاح منظومة التعليم العالي وإعادة هندسة الاقتصاد الوطني؛ ويمر الحل حتماً عبر “إعادة هيكلة مسالك الإجازة الجامعية” بإدماج وحدات إجبارية للتكوين المهني التطبيقي، وتعلم اللغات، والمهارات الرقمية داخل كافة التخصصات الأدبية والقانونية، لتصبح الشهادة جواز سفر حقيقي نحو سوق الشغل الحديث. كما يتوجب على الدولة تفعيل تحفيزات ضريبية وتمويلية قوية للمقاولات الصغرى والمتوسطة لتشجيعها على إدماج الخريجين بعقود عمل قارة ومقننة، مع تبسيط مساطر التشغيل الذاتي ومواكبة المشاريع الناشئة للشباب بتمويلات ميسرة، بهدف تحويل طاقة المجازين من قوة معطلة وهامشية تستنزف في غير محلها، إلى رافعة حقيقية لذكاء الوطن، وصناعة الثروة، وبناء مغرب يثمن العلم ويصون كرامة أبنائه المبدعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *