شاشا بدر
تشهد المدن المغربية الكبرى والمتوسطة تحولاً بنيوياً ومثيراً للقلق في سوق كراء العقارات المعدة للسكن، حيث برزت في السنوات الأخيرة دينامية جديدة تميل نحو تفضيل كراء الشقق والبيوت للشباب العزاب والموظفين والطلبة الفرادى عوضاً عن الأسر والعائلات التقليدية. هذا التحول السلوكي لدى الملاك وأصحاب العقارات، الذي كان يقتصر في السابق على أحياء جامعية أو مناطق سياحية محددة، زحف بشكل متسارع ليتوغل في عمق الأحياء الشعبية والطبقات المتوسطة والفقيرة. وقد رافق هذا التوجه ارتفاع مهول وصاروخي في واجبات الكراء الشهرية بلغت مستويات خيالية وغير مسبوقة، مما شكل ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً خانقاً على الأسر المغربية، وأعاد تشكيل الخريطة الديموغرافية والاجتماعية للمدن، وسط تساؤلات عريضة حول أسباب هذه الظاهرة وتداعياتها على الاستقرار المجتمعي.
تتعدد الأسباب الكامنة وراء تفضيل الملاك لكراء عقاراتهم للعزاب بدلاً من الأسر، وتتشابك فيها العوامل المادية بالقانونية؛ فالدافع الاقتصادي يظل المحرك الأول لهذه الظاهرة، حيث يعمد الملاك إلى تحويل الشقة الواحدة إلى نظام “الغرف المشتركة” أو كراء السرير الواحد، مما يتيح لهم مضاعفة الأرباح بشكل خيالي مقارنة بالسومة الكرائية التي يمكن أن تدفعها عائلة واحدة. ومن الناحية القانونية والقضائية، يتخوف الكثير من أصحاب البيوت من كراء عقاراتهم للأسر بسبب التعقيدات الكبيرة والمساطر الطويلة التي تطبع قضايا الإفراغ في حالة التماطل عن الأداء، خاصة عندما يتعلق الأمر بعائلات تضم أطفالاً قاصرين، حيث يمنح القانون أحياناً مهلاً استثنائية مراعاة للبعد الإنساني. في المقابل، يرى الملاك أن التعامل مع العزاب، وخاصة الطلبة أو العمال المؤقتين، يتميز بمرونة أكبر وسهولة في إنهاء العلاقة التعاقدية أو تجديدها، فضلاً عن إمكانية فرض شروط مالية صارمة ودفع مسبق لعدة أشهر دون مقاومة تذكر.
أدى هذا الجشع العقاري والتوجه نحو الكراء الفردي إلى اشتعال أسعار الكراء بشكل لاهب، ولم تعد هذه الارتفاعات حكراً على الأحياء الراقية أو مراكز المدن، بل امتدت كالنار في الهشيم لتشمل الأحياء الشعبية والهوامش التي كانت تشكل الملاذ الآمن والوحيد للأسر ذات الدخل المحدود والمنعدم. إن وصول السومة الكرائية في أحياء شعبية بسيطة إلى مستويات تلتهم أكثر من نصف أو ثلثي الحد الأدنى للأجور يعد مؤشراً خطيراً على تنامي المضاربات وغياب المقاربة التضامنية. هذا الغلاء الفاحش نتج عنه إقصاء ممنهج للأسر الشابة حديثة التكوين وللعائلات المثقلة بالمصاريف، والتي وجدت نفسها عاجزة عن العثور على سكن لائق يتناسب مع قدرتها الشرائية، مما دفع بالعديد منها إلى القبول ببيوت عشوائية، أو التكدس في شقق ضيقة تفتقر لأبسط شروط الكرامة، أو الاضطرار للعيش المشترك مع الأقارب، وهو ما يتسبب في مشاكل اجتماعية ونفسية حادة تعصف باستقرار الأسرة.
تتجاوز تداعيات هذه الأزمة الجانب السكني لتلقي بظلالها على الدورة الاقتصادية المحلية برمتها؛ فارتفاع تكلفة السكن يؤدي مباشرة إلى انكماش القدرة الشرائية للمواطنين، حيث توجَّه أغلب المداخيل الشهرية لتغطية واجبات الكراء على حساب الاستهلاك اليومي، والتعليم، والصحة، والترفيه، مما يسبب ركوداً في الأسواق وتراجعاً في رواج التجارة المحلية بالأحياء الشعبية. كما أن هذه الظاهرة ساهمت في بزوغ نمط “الكراء اليومي” أو “المفروش” غير المقنن داخل الأحياء الشعبية، والذي يدر أرباحاً طائلة خارج المنظومة الضريبية للدولة، ويخلق في الوقت ذاته نوعاً من التوجس الأمني والاجتماعي لدى الساكنة الأصلية بسبب غياب الاستقرار وتوافد غرباء بشكل مستمر، مما يهدد السلم والتماسك الاجتماعي الذي تميزت به الحارات الشعبية المغربية طوال عقود.
يستدعي هذا الوضع المقلق تدخلاً حازماً ومستعجلاً من طرف السلطات الحكومية والجماعات الترابية لتقنين سوق الكراء وإعادة التوازن إليه لحماية المواطنين من المضاربات العشوائية. ويمر الحل عبر تفعيل آليات الرقابة على أسعار الكراء ووضع سقف محدد للأسعار يتناسب مع طبيعة كل حي ومستوى تجهيزاته، مع تيسير وتبسيط مساطر المنازعات الكرائية لطمأنة الملاك وتشجيعهم على الكراء للأسر دون تخوف من التماطل. كما يتطلب الأمر مراجعة سياسات السكن الاقتصادي والاجتماعي وتوجيهها نحو توفير “سكن معد للكراء” بأسعار مدعومة وموجهة حصرياً للأسر المعوزة والشباب المقبل على الزواج، إلى جانب مأسسة وتقنين كراء غرف العزاب لضمان حقوق كل الأطراف وتحصين الأحياء الشعبية من العشوائية، بما يضمن حق كل مواطن في سكن لائق ويحفظ النسيج الاجتماعي من التمزق والتحلل.