هل حقا ورّط نزار في “خطاب سيدي قاسم”؟

حميد طولست
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في السياسة كما في المسرح الرديء، هناك لحظات لا يفهم فيها الجمهور هل ما يُعرض أمامه “تراجيديا” أم “كوميديا سوداء” أم مجرد تمرين فاشل على الصراخ ،وهذا بالضبط ما شعر به كثير من المغاربة وهم يتابعون “خطاب سيدي قاسم” الذي خرج فيه نزار بركة عن نسخته المعهودة، وقرر فجأة أن يتحول من رجل يتحدث بصوت منخفض يكاد يحتاج إلى مكبرات إضافية لسماعه، إلى خطيب ثائر يوزع الاتهامات والإيحاءات والرموز كما يوزع مقدم سيرك كرات النار على جمهور مذهول.
السؤال الذي تردد في المقاهي، وفي صفحات التواصل، وحتى داخل بعض البيوت الاستقلالية نفسها، لم يكن: “ماذا قال نزار؟” بل: “من الذي ورّط نزار في هذا الخطاب؟”.
لأن الرجل الذي يعرفه المغاربة، سواء اتفقوا معه أو اختلفوا حوله، ليس هو نفسه الذي ظهر في سيدي قاسم وهو يطارد “الخفافيش” السياسية، ويقحم كل مؤسسات الدولة تقريباً في معركة بدت أقرب إلى تصفية انفعال شخصي منها إلى خطاب سياسي موزون.
ففي دقائق معدودة، أُدخل الملك في الموضوع، وأُدخلت المؤسسة الأمنية، وأُدخل تنظيم “الكان”، وحتى “تقطار الشمع” وجد له مكاناً وسط هذا الخليط السوريالي الذي بدا وكأنه كُتب على عجل داخل غرفة مغلقة مليئة بالتوتر والارتباك.
الغريب أن نزار بركة، الذي كان دائماً يميل إلى لغة الأرقام والهدوء الإداري والحديث التقني البارد، ظهر هذه المرة وكأنه يجرّب شخصية سياسية مستعارة لا تناسب مقاسه إطلاقاً ، تماماً مثل موظف بنكي محترم قرر فجأة أن يؤدي دور زعيم ثوري في مسرحية مدرسية، فاكتشف الجمهور منذ المشهد الأول أن “الدور واسع عليه”.
ولأن المغاربة ليسوا شعباً ساذجاً، فقد انتبهوا سريعاً إلى المفارقة الكبرى: الرجل تحدث عن كل شيء ، إلا عن الشيء الوحيد الذي كان الناس ينتظرون سماعه ، لم يتحدث عن “المليار” ، لم يتحدث عن أصل الحكاية ، لم يشرح كيف بدأت القصة، ولا لماذا انفجر الغضب الشعبي، ولا كيف تحولت القضية إلى كرة ثلج سياسية وأخلاقية تتدحرج منذ أسابيع.
كان الخطاب أشبه بمن يحاول إطفاء حريق منزل عبر رش العطر على الستائر ، ولهذا لم يُقنع أحداً تقريباً ، لا الخصوم اقتنعوا، ولا حتى الأنصار بدوا مرتاحين لهذا الأداء العصبي المبحوح الذي جعل أمين عام حزب عريق يظهر وكأنه حديث عهد بالسياسة، أو ربما حديث عهد حتى بالانتماء إلى حزب الاستقلال نفسه.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: من هم هؤلاء الذين يحيط بهم نزار بركة نفسه؟ ومن الذي أقنعه بأن الصراخ يمكن أن يعوض السياسة؟
لأن كثيرين داخل الحزب، قبل خارجه، يلاحظون أن الرجل أحاط نفسه بوجوه سياسية تبدو وكأنها خرجت مباشرة من أرشيف أبيض وأسود ، رجال عاصر بعضهم من الملوك ما يكفي لكتابة موسوعة كاملة عن “كيفية البقاء قرب السلطة مهما تغيرت الفصول” ، ولا امرأة واحدة تقريباً ، ولا نفس شبابي واضح ، ولا جرأة فكرية جديدة ،وكأن حزب الاستقلال، بكل تاريخه ورمزيته، أصبح فجأة يعاني مجاعة في الكفاءات.
وهنا لا يتعلق الأمر بتحامل على حزب الاستقلال ، الذي ليس مجرد تنظيم سياسي عابر، بل جزء من ذاكرة المغرب الحديثة، ومن تاريخ الحركة الوطنية، ومن رمزية الاستقلال ذاته ، وفيه من المناضلين والكفاءات والوطنيين المحترمين ما يجعل كثيرين يحتفظون له بالتقدير مهما اختلفوا معه.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول حزب بتاريخ ثقيل إلى مجرد جهاز دفاع عصبي عن الأشخاص ، وحين تصبح الفضائح مجرد “مؤامرات” ، ويصبح الغضب بديلاً عن التوضيح ، والصراخ بديلاً عن البيان السياسي الرصين.
لقد انفجرت وثائق وتسريبات واتهامات هزّت الرأي العام، وكان المنتظر أن يتعامل الحزب معها بحد أدنى من الذكاء السياسي: توضيح، تفسير، لجنة، بلاغ، أي شيء .
لكن الذي حدث هو العكس تماماً: خرج الأمين العام غاضباً، مبحوح الصوت، يهاجم الجميع، بينما ظل الحزب صامتاً بطريقة جعلت الصمت نفسه يبدو كأنه اعتراف مرتبك.
مرة أخرى ،هذا ليس تحاملا على حزب الاستقلال الذي إنتميت اليه حقبة من الزمن لارتباطه تاريخه بتاريخ المغرب وباستقلال المغرب وليس تقليلا من قيمة العديد من مناضليه المحترمين والموقرين الذين تربطني بهم صداقات متينة
لكنه شعوري كما شعورالكثيرين غيري بأن “حزب الاستقلال” الذي عرفته كما عرفوه لم يعد هو نفسه ، ذلك الحزب الذي كان يرى أبعد من تفاصيل المعارك الصغيرة، ويحسب خطواته بميزان الدولة لا بميزان الانفعال.
أما اليوم، فيبدو أحياناً وكأن بعض “الزعماء الجدد” صار يتطبق عليهم المثال الدارج: “كيشوفو الربيع وما كيشفو الحافة”.
وفي السياسة، المشكلة ليست في أن تغضب ، المشكلة أن تغضب بطريقة تجعل الناس يتساءلون: هل هذا حقاً أنت؟ أم أن أحدهم كتب لك خطاباً لم يكن يجب أن تقرأه أبداً؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *