حين يتحول المعلّق إلى مؤذّن وطني بصوت ستيريو؟

حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

شتّان بين تعليقٍ رياضيٍّ يُدرَّس، وآخر يُمارَس كطقس قبليٍّ بدائي.
شتّان بين بلدٍ يشتغل على تخليق الخطاب الرياضي، عبر ورشات رسمية تنظمها المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، لتُذكّر الصحافي والمعلّق بأن الميكروفون ليس منبرَ تعبئة، ولا منصة تحريض، ولا ساحة حرب رمزية…
وبين فضائياتٍ مشرقيّة، وخليجية تحديدًا، لا ترى في التعليق الرياضي سوى فرصة لتعليق العقل، وتعليق المهنية، وتعليق الحياد إلى إشعار آخر.
آخر هذه المفارقات تجلّى في نهائي كأس العرب بين المنتخب المغربي ونظيره الأردني، مباراة كان يفترض أن تكون احتفالًا كرويًا، فإذا بها تتحول – بفضل بعض المعلّقين، وعلى رأسهم عصام الشوالي – إلى عرض صوتي للانحياز المقنّع، أو لنقل: تشجيع متنكر في عباءة الوصف.
التعليق ليس ما يُقال… بل ما يُكرَّر
في علم الإعلام، التكرار ليس بريئًا.
حين يُذكر اسم “الأردن” عشرات المرات، ويُذكر “المغرب” على استحياء، فنحن لا نتابع مباراة، بل نشهد عملية إبراز متعمد.
المشاهد، دون أن يدري، يجد نفسه مهيَّأ ذهنيًا لمتابعة اللقاء من زاوية واحدة، زاوية “النشامى”، وكأن الأسود الأطلسية مجرد ديكور متحرك في خلفية السرد.
هنا لا يتم تزوير الحدث، بل يتم توجيه الانتباه: ما يُقال كثيرًا يصبح أهم، وما يُهمَل يصبح هامشيًا… حتى لو كان داخل الملعب هو العكس تمامًا.
حين تصبح الوطنية مصطلحًا تكتيكيًا
المهني، نظريًا، يعلّق على الأداء، التمركز، الضغط، التحولات.
أما عند بعض المعلّقين الخليجيين، فالأمر يتجاوز ذلك إلى التأطير القيمي: “النشامى لا يستسلمون”…“الأردن يلعب بروح عالية”
جميل… لكن منذ متى أصبحت “الروح الوطنية” خطة لعب؟
ومن قال إن الفريق الآخر بلا روح، أو أقل شجاعة، أو أقل صمودًا؟
هنا يتحول الوصف إلى تشجيع أخلاقي مبطَّن، يمنح فريقًا واحدًا رصيد الفضائل، بينما يُترك الخصم بلا صفات، أو بصفات باردة، محايدة، أقرب إلى تقارير الطقس.
فحين يهاجم الأردن، تكون المحاولة “إصرارًا” و“شراسة” و“شخصية قوية”.
وحين يفعل المغرب الشيء ذاته، يصبح الأمر “تراجعًا” أو “توترًا” أو “اندفاعًا غير محسوب”.
الفعل واحد، و معياران لفعل واحد ، لكن المسطرة تختلف حسب نية يعقوب.
وهذا ما يسميه علماء الإعلام: التقييم غير المتناظر، حيث يُكافَأ فريق لغويًا على الفشل، ويُحاسَب آخر لغويًا حتى وهو متفوق.
فلغة اليقين للأردن ،… ولغة الشك للمغرب
الأردن يهاجم؟
“الهدف قادم… الأردن قريب جدًا”
المغرب يهاجم؟
“ربما… قد… من الممكن…”
لغة اليقين تصنع أملًا، ولغة الاحتمال تصنع تردّدًا.
والمشاهد، دون أن يشعر، يُدفَع عاطفيًا إلى الانحياز، لا لأن الوقائع تقول ذلك، بل لأن اللغة قررت سلفًا مَن يستحق الفرح.
والأخطر ليس ما يُقال، بل كيف يُقال. ارتفاع النبرة، تسارع الإيقاع، مدّ الحروف عند فرص الأردن،
مقابل برودة صوتية وتحليل مثلّج عند فرص المغرب.
هذا ما يسميه المختصون الانحياز شبه اللغوي:
انحياز يتسلل عبر الأذن، دون أن يمر على العقل، ولا يطلب إذن الوعي مع حضورانتقائية الذاكرة… وذاكرة الانتقاء:”تاريخ الأردن، معاناته، دوافعه، روحه”…بينما:
“تنظيم المغرب، قوته، انضباطه، تفوقه في فترات حاسمة”تبقى تفاصيل ثانوية، إن ذُكرت.
إنه الانحياز الانتقائي: الذي لا تكذب، ولكنه لا يقول كل الحقيقة ، من خلال الانحياز في التعليق الرياضي لبذي لا يكون دائمًا شتيمة مباشرة، بل يتشكل من التكرار، والتأطير، واختيار المفردات، ونبرة الصوت، وانتقاء المعلومات.
وعندما تجتمع هذه العناصر، يتحول المعلّق من ناقل للحدث إلى شريك وجداني في المباراة، ومن صحافي إلى مشجّع يلبس ربطة عنق.
هنا فقط نفهم لماذا يحتاج البعض إلى ورشات تخليق،
ولماذا يبدو الفرق شاسعًا بين المغرب الذي يعتبر التعليق مسؤولية مهنية، ومن يراه مباراة إضافية يلعبها بالميكروفون… وغالبًا خارج قواعد اللعب النظيف.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *