أعاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خلط أوراق النقاش السياسي من جديد، بعدما اختار الحديث هذه المرة عن أصوله العائلية ونسبه من جهة والدته الراحلة “مفتاحة”، مؤكدا أن جذوره تعود إلى الصحابي سعد بن عبادة، أحد الأسماء البارزة التي طُرحت في سياق الخلافة بعد وفاة الرسول محمد ﷺ. تصريح بدا في ظاهره ردا شخصيا على منتقديه، لكنه في العمق يحمل أبعادا سياسية ورمزية تتجاوز مجرد الحديث عن النسب العائلي.
وجاءت تصريحات بنكيران خلال مهرجان خطابي بجماعة سبت جزولة، حيث حاول مواجهة بعض السخرية أو الانتقادات التي تستعمل عبارة “ولد مفتاحة” في توصيفه، فاختار قلب المعادلة عبر تحويل الاسم الذي يُراد به التنقيص، إلى مصدر اعتزاز وانتماء. وهنا يظهر واحد من أبرز أساليب بنكيران الخطابية، القائم على تحويل الهجوم إلى عنصر تعبئة واستمالة عاطفية للجمهور.
اللافت في خطاب بنكيران ليس فقط حديثه عن أصوله الشامية أو انتسابه لسعد بن عبادة، بل توقيت هذا الطرح وسياقه السياسي. فالرجل الذي بنى جزءا كبيرا من شعبيته على صورة السياسي القريب من الناس والبسيط في لغته، عاد ليستثمر في الرمزية الدينية والتاريخية في لحظة يعرف فيها المشهد الحزبي حالة من التوتر وفقدان الثقة لدى جزء من الرأي العام.
ويرى متابعون أن استحضار الشخصيات التاريخية والدينية داخل الخطاب السياسي ليس أمرا جديدا في المغرب ولا في العالم العربي، لكنه غالبا ما يُستخدم لإضفاء نوع من الشرعية الرمزية أو العمق التاريخي على صورة الزعيم السياسي. فحين يربط بنكيران نفسه باسم مثل سعد بن عبادة، فهو لا يستحضر فقط نسبا عائليا، بل يستدعي أيضا رمزية شخصية ارتبطت بالنقاش حول السلطة والخلافة والزعامة داخل التاريخ الإسلامي.
كما أن الطريقة التي صاغ بها بنكيران حديثه تعكس مرة أخرى قدرته على مخاطبة قواعده الشعبية بلغة تمزج بين الدين والتاريخ والسخرية والرد المباشر على الخصوم، وهي الخلطة التي ميزت حضوره السياسي لسنوات. غير أن هذا النوع من الخطاب يثير أيضا نقاشا واسعا حول حدود توظيف الرمزية الدينية والتاريخية في الصراع السياسي المعاصر، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا لا يمكن التحقق منها بسهولة أو تدخل في إطار الرواية العائلية الخاصة.
وفي المقابل، اعتبر البعض أن تصريح بنكيران يعكس استمرار هيمنة الخطاب الشخصاني داخل السياسة المغربية، حيث يتحول النقاش أحيانا من البرامج والأفكار إلى الأصول والرموز والهوية، وهو ما يساهم في إبعاد النقاش العمومي عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطنين بشكل يومي.
ورغم الجدل الذي رافق التصريح، فإن بنكيران نجح مرة أخرى في تحقيق ما يتقنه سياسيا وإعلاميا: العودة إلى واجهة النقاش العام وإثارة تفاعل واسع، سواء من المؤيدين أو المنتقدين. فالرجل يدرك أن حضوره السياسي لا يقوم فقط على المواقف الحزبية، بل أيضا على قدرته المستمرة على إنتاج “الحدث الكلامي” الذي يفرض نفسه داخل الساحة الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي.
وفي النهاية، يبقى السؤال المطروح: هل كان حديث بنكيران عن نسبه مجرد رد عفوي على منتقديه، أم أنه جزء من خطاب سياسي مدروس يعيد توظيف الرمزية التاريخية والدينية لاستعادة الزخم الشعبي في مرحلة دقيقة من عمر الحزب والسياسة بالمغرب؟