بين سجال السياسة وانتظارات الساكنة.. فاس تبحث عن خطاب أكثر مسؤولية

الجديد بريس 

عاد النقاش السياسي بمدينة فاس إلى الواجهة بعد التصريحات الأخيرة التي أطلقها العمدة السابق إدريس الأزمي الإدريسي خلال المهرجان الختامي للدورة العاشرة للأيام المفتوحة، والتي وجه فيها انتقادات مباشرة للعمدة الحالي عبد السلام البقالي، معتبرا أن مستوى النقاش داخل مؤسسة الجماعة لم يعد بنفس القوة التي كان عليها خلال فترة تدبير حزب العدالة والتنمية للشأن المحلي.

غير أن الجدل هذه المرة لم يرتبط فقط بمضمون الانتقادات، بل أيضا باللغة المستعملة في الخطاب السياسي، بعدما أثارت بعض العبارات المتداولة ردود فعل متباينة وسط المتابعين والفاعلين المحليين، الذين رأوا أن النقاش العمومي يحتاج إلى قدر أكبر من الرصانة والاحترام المتبادل، خاصة حين يتعلق الأمر بمسؤولين سبق لهما تدبير ملفات المدينة وتحمل مسؤوليات سياسية وإدارية وازنة.

ويرى عدد من المهتمين بالشأن المحلي أن الأزمة لا تتعلق بشخص أو تيار سياسي بعينه، بقدر ما تعكس حالة أوسع يعيشها المشهد السياسي المحلي، حيث تحولت في أحيان كثيرة جلسات النقاش والترافع إلى مواجهات خطابية يغلب عليها تبادل الاتهامات ومحاولة تسجيل المواقف، بدل تقديم تصورات عملية قادرة على معالجة الإشكالات اليومية التي تؤرق المواطنين.

وفي المقابل، فإن جزءا من الرأي العام كان ينتظر من هذا السجال السياسي أن يتجه نحو مناقشة الملفات التي أثيرت في الآونة الأخيرة داخل مجلس الجماعة، خاصة تلك المرتبطة بتدبير بعض المرافق الحيوية. ومن بين أبرز هذه الملفات، قضية سوق السمك الجديد، التي تحولت إلى محور نقاش سياسي وإعلامي بعد الحديث عن عدم استخلاص واجبات مالية مهمة خلال سنوات سابقة، وهو الملف الذي استعمله العمدة الحالي في أكثر من مناسبة لانتقاد طريقة تدبير المرحلة الماضية.

كما عاد ملف النقل الحضري بدوره إلى واجهة النقاش، باعتباره من أكثر القضايا التي أثارت استياء الساكنة خلال السنوات الأخيرة، في ظل تراجع جودة الخدمات وتفاقم معاناة المواطنين مع التنقل اليومي. وبين من يحمل المسؤولية للمجالس السابقة، ومن يعتبر أن الأزمة أعمق من أن تختزل في ولاية انتخابية واحدة، يبقى المواطن البسيط هو الطرف الذي ينتظر حلولا ملموسة بعيدا عن لغة تبادل الاتهامات.

ويؤكد متابعون أن سكان فاس لم يعودوا يكتفون بالخطابات السياسية أو استحضار حصيلة الماضي، بقدر ما أصبحوا يقيمون المسؤولين من خلال ما ينعكس فعليا على واقعهم اليومي، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية أو النظافة أو النقل أو تحسين الخدمات الأساسية. فالمواطن اليوم يبحث عن النتيجة أكثر من بحثه عن الجهة التي تتحدث باسمها.

وفي ظل هذا المناخ، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار لثقافة النقاش السياسي المسؤول، القائم على النقد الموضوعي وتقديم البدائل الواقعية، بدل الانزلاق نحو لغة التوتر أو تصفية الحسابات السياسية، لأن تدبير مدينة بحجم فاس يحتاج إلى خطاب يطمئن الساكنة ويعزز الثقة في المؤسسات أكثر مما يحتاج إلى معارك كلامية عابرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *