حميد طولست
لا أحد يجادل اليوم في مشروعية المطالب التي يرفعها شباب ما يُعرف بـ”حراك Z” في المغرب. فالمطالب الاجتماعية التي يُعبّرون عنها – من تحسين التعليم والصحة إلى توفير فرص الشغل والعدالة المجالية – تعبّر عن عمق الأزمة التي يعيشها جزء واسع من المجتمع المغربي، خصوصاً فئته الشابة. لكن ما يثير القلق هو الغموض الذي يلف هذا الحراك: من يقوده؟ من يوجهه؟ ومن يملك حق الحديث باسمه؟
حتى الآن، لا تُعرف أي قيادة واضحة للحراك، ولا أطر تنظيمية تحدد مساراته أو مضامينه. الأصوات التي تدّعي تمثيله تنشط على منصة “ديسكورد” بأسماء مجهولة وأحياناً بأصوات معدّلة تقنياً. ورغم ذلك، أصبحت هذه الأصوات تحدد الإيقاع وتوجه الحشود. الأخطر أن الوثيقة المطلبية التي تم تداولها ثم سحبها لاحقاً، لم تمر عبر أي آلية ديمقراطية داخلية، بل ظهرت جاهزة بصيغة نهائية، في مؤشر على غياب الوضوح والمساءلة.
هذا الوضع يطرح أسئلة عميقة حول واقع السياسة في المغرب: كيف تمكن مجهولون من تحريك آلاف الشباب؟ وهل نحن أمام جيل جديد من الاحتجاجات الرقمية التي تتجاوز الوسائط التقليدية؟ أم أن ما يحدث هو نتيجة حتمية لفراغ سياسي كبير خلقته أحزاب ونقابات وجمعيات فقدت ثقة الناس؟
في المقابل، تبدو الطبقة السياسية المغربية في سبات عميق. أكثر من ستة وثلاثين حزباً تقف اليوم على الهامش، لا مبادرة، لا مواقف واضحة، ولا حضور فعلي في الشارع. قادتها، الذين تجاوز كثير منهم السبعين من العمر، يتصرفون كما لو أن الغضب الشعبي لا يعنيهم، منشغلين بالحسابات الانتخابية والمكاسب المادية والامتيازات التي توفرها لهم المناصب.
أما أن يخرج حزب سياسي إلى الشارع دعماً لمطالب اجتماعية مشروعة، فذلك أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى الواقع. فالأحزاب التي علّقت على الحراك اكتفت ببيانات الإدانة لما سمّته “الانفلاتات الخطيرة”، متجاهلة أن غيابها عن دورها التأطيري هو ما جعل الشارع مفتوحاً أمام كل الاحتمالات.
لقد فقدت المؤسسات الوسيطة في المغرب – من أحزاب ونقابات وجمعيات – جزءاً كبيراً من شرعيتها، بعدما تحولت إلى هياكل بيروقراطية تعيش على الدعم العمومي وتخاطب المواطنين من أبراجها العالية. ومع هذا الفراغ، لم يكن غريباً أن يتجه الشباب نحو فضاءات رقمية جديدة، يُعبّرون فيها عن غضبهم بعيداً عن قنوات السياسة التقليدية.
ما يحدث اليوم ليس مجرد موجة احتجاج عابرة، بل علامة على أزمة أعمق: أزمة تمثيلية وثقة ومشروعية. فإذا كانت المنصات الرقمية قادرة على حشد آلاف الشباب، فذلك يعني أن السياسة فقدت قدرتها على الإقناع والتعبئة.
الخطر الحقيقي إذن ليس في الحراك ذاته، بل في غياب من يفهمه ويتفاعل معه بذكاء سياسي ومسؤولية وطنية. فعندما يقود المجهول الشارع، وتغيب السياسة عن المشهد، يصبح المستقبل مفتوحاً على كل السيناريوهات – من الحوار والإصلاح، إلى الفوضى وفقدان البوصلة.