ملعب للهوكي في بلد لا يعرف الهوكي

حميد طولست – كاتب ساخر وناقد اجتماعي .

منذ سنوات، والمغاربة يسمعون عن “الاستثمار في البنية التحتية الرياضية” و”النهوض بالرياضة الوطنية”، وهي عناوين براقة تُزين الخُطب الرسمية وتقارير المجالس المنتخبة. لكن في الواقع، ما يُبنى على الأرض لا يُشبه ما يُقال في المنابر. مشاريع ضخمة، ملاعب تكلّف الملايين، ومبادرات تبدو جميلة في الصور أكثر مما هي مفيدة في الواقع. آخرها، الملعب الفاخر لرياضة الهوكي.
نعم، الهوكي! تلك اللعبة التي لا جمهور لها في المغرب، ولا أحد يعرف قوانينها، ولا يوجد فيها منتخب وطني يُذكر، ولا حتى دوري محلي للهواة.
ورغم ذلك، يُقرَّر بناء ملعب مجهز بأحدث المعايير العالمية، في بلد ما تزال فيه المدارس القروية بدون مرافق صحية، والمستشفيات تعاني من نقص الأطباء والتجهيزات، والأحياء الشعبية تفتقر إلى ملعب صغير من التراب ليجري فيه الأطفال وراء كرة متهالكة.
الهوكي؟ حقًا؟ أحيانًا تشعر أن القرارات عندنا تُتخذ بطريقة عكسية: نختار المشروع أولًا، ثم نبحث لاحقًا عن المبرر.
كأننا نريد أن نُقنع أنفسنا أننا “بلد متطور”، ولو عن طريق مشاريع استعراضية تفتقد لأي علاقة بحاجيات الناس.
المفارقة أن المغرب عرف، منذ قرون، لعبة تقليدية تشبه الهوكي إلى حد كبير، تُمارس في بلاد سوس وبعض مناطق الأطلس، تُعرف باسم “إغرم ن تاكورت” أو “إكرّاع”. كانت تُلعب بعصي خشبية وكرة صغيرة من القماش أو الجذور، في الساحات الترابية، وتجمع الشباب في أجواء من التحدي والمرح.
لم تكن هناك وزارة للشباب ولا ميزانية بالملايين، لكن اللعبة كانت حقيقية، نابضة بالحياة، تخرج من الناس وتعود إليهم.
أما اليوم، فنحن نبني ملعبًا لِرياضة لا أحد يمارسها، بينما نترك ألعابنا الشعبية تموت بصمت، ومعها يموت جزء من ذاكرتنا الثقافية.
نصرف على “الهوكي” وننسى “إغرم ن تاكورت”، تمامًا كما نصرف على المهرجانات وننسى المسارح، ونبني المتاحف بينما تُهمل المكتبات، ونزرع الأشجار في الصحراء ثم ننسى أن نسقيها.
إنه منطق “الهوكّي علينا”: منطق المشاريع التي تُبنى للكاميرا، لا للمجتمع.
منطق “التنمية بالمظاهر”، التي تخلط بين الحداثة الشكلية والتقدم الحقيقي.
ما فائدة ملعب عالمي في بلد لم يؤسس بعد ثقافة رياضية شعبية؟
وما معنى أن نرفع شعار “الرياضة للجميع”، بينما الملاعب التي تُبنى لا يقترب منها أحد إلا يوم الافتتاح؟
الهوكي هنا مجرد مثال، لكنه يختزل فلسفة كاملة في التدبير العمومي: التزيين بدل الإصلاح، والمشهد بدل الجوهر.
نُشيّد منشآت رياضية دون أن نُشيّد الإنسان الرياضي، ونحتفي بالمباني بدل أن نحتفي بالعقول، ونقيس النجاح بعدد المشاريع لا بمدى جدواها.
في المقابل، لم نسمع عن أي مشروع جاد لإحياء الرياضات التقليدية المغربية، أو دعم الألعاب الشعبية التي تعبّر عن خصوصيتنا الثقافية. لا أحد فكر في إنشاء دوري وطني لـ”تاكورت”، أو حتى في تسجيلها كتراث لا مادي في اليونسكو، رغم أنها جزء أصيل من ذاكرتنا الجماعية.
لكن يبدو أن كل ما لا يُدرّ صورًا جميلة ولا يُرضي الممولين، لا مكان له في أجندة التنمية.
ربما لم يعد غريبًا أن يبني المغرب ملعبًا للهوكي، فالغريب فعلاً هو أن ما يُبنى في هذا البلد لا يُبنى بناءً على ما يحتاجه الناس، بل على ما يُرضي الصورة.
في النهاية، الهوكي ليست سوى مرآة صغيرة لخلل أكبر: الخلل في ترتيب الأولويات، وفي تعريف التنمية نفسها.
وحتى لا أتهم بالعدمية ، فأنا من أكثر الناس إيمانا بالمونديال و ملاعب المونديال و الربح الذي سنجنيه من المونديال ، لكني سأكون إلى حد ما منطقيا و أقول نعم، الهوكي لعبة راقية، لكن ما نحتاجه قبلها هو لعبة الصدق في القرار، والنزاهة في الاختيار، والجرأة في الاعتراف بأن التنمية ليست في العشب الأخضر، بل في العقل الذي يعرف أين يزرعه.

حميد طولست – كاتب ساخر وناقد اجتماعي .

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *