حين يُقصى المبدع ويُحتفى بالهامشي… أي مستقبل للثقافة في المغرب؟

محمد جمال نخيلة – الجديد بريس 

في سياق يتسم بتزايد النقاش حول مكانة الثقافة والفنان داخل المجتمع المغربي، تبرز من جديد إشكالية عميقة تتعلق بطريقة تدبير الشأن الثقافي، خاصة حين يتعلق الأمر بالاعتراف بالرموز الفنية الوطنية. الرسالة المفتوحة الموجهة إلى محمد المهدي بنسعيد ليست مجرد تعبير عن غضب عابر، بل تعكس شعوراً متنامياً داخل الأوساط الثقافية والحقوقية بوجود اختلالات بنيوية في آليات التقدير والاحتفاء بالإبداع المغربي.
القضية التي فجّرت هذا الجدل، والمتعلقة بتهميش الفنان “أمير علي” ومجموعة من الفنانين المغاربة  خلال افتتاح مسرح محمد السادس، تسلط الضوء على مفارقة صادمة: فنان يحمل تجربة دولية ويُسهم في الترويج للثقافة المغربية خارج الحدود، يجد نفسه خارج دائرة الاعتراف داخل بلده. هذا التناقض لا يمكن اختزاله في خطأ تنظيمي أو سهو بروتوكولي، بل يبدو أقرب إلى نمط متكرر يعكس خللاً في تحديد الأولويات الثقافية.
إن أخطر ما في هذه الواقعة ليس فقط الإقصاء في حد ذاته، بل الرسائل الرمزية التي يبعث بها. حين يُهمّش مبدع راكم تجربة طويلة، ويتم في المقابل تسليط الضوء على أسماء عابرة لا تمتلك بالضرورة نفس العمق الفني، فإن ذلك يطرح تساؤلات جوهرية حول المعايير المعتمدة: هل أصبح الحضور الرقمي والانتشار اللحظي بديلاً عن القيمة الفنية؟ وهل تحوّل الفعل الثقافي إلى مجال خاضع لمنطق “الترند” بدل منطق التراكم والإبداع؟
من زاوية تحليلية، يمكن رصد ثلاث مستويات لهذا الإشكال:
أولاً، أزمة الحكامة الثقافية:
يبدو أن هناك غياباً لرؤية واضحة ومؤسساتية تُنظم كيفية تكريم الفنانين وتثمين مساراتهم. فغياب معايير شفافة يفتح الباب أمام ما يُوصف بالزبونية والمحسوبية، وهو ما يقوّض الثقة في المؤسسات الثقافية ويُضعف مصداقيتها.
ثانياً، القطيعة مع الكفاءات المغربية بالخارج:
المغرب يزخر بطاقات فنية كبيرة تنشط في الساحة الدولية، غير أن ضعف قنوات التواصل مع هذه الكفاءات يجعلها تشعر بالتهميش داخل الوطن. وهذا التناقض ينعكس سلباً على صورة البلاد، خاصة وأن هذه الطاقات تشكل جسراً ثقافياً مهماً بين المغرب والعالم.
ثالثاً، إشكالية العدالة الثقافية:
الحديث هنا لا يتعلق بمنح امتيازات، بل بضمان حد أدنى من الإنصاف والاعتراف. فالفنان، كغيره من الفاعلين، يحتاج إلى شعور بالانتماء والتقدير، وهو ما يشكل دافعاً للاستمرار والعطاء. وعندما يغيب هذا الاعتراف، تتحول الثقافة إلى مجال طارد بدل أن تكون فضاءً محفزاً.
تصريحات الفنان التي عبّر فيها عن مرارته، ولو بصيغة ساخرة، تعكس عمق الإحباط الذي يمكن أن يطال المبدعين حين يشعرون بأن جهودهم لا تجد صدى داخل وطنهم. وهذه ليست حالة معزولة، بل مؤشر على ظاهرة أوسع تستدعي وقفة تأمل جماعية.
في المحصلة، فإن هذا الجدل يضع وزارة الثقافة أمام اختبار حقيقي: إما الاستمرار في نفس النهج بما يحمله من انتقادات، أو الانخراط في مراجعة عميقة لسياساتها، تقوم على الشفافية، وتكافؤ الفرص، ورد الاعتبار للرموز الفنية الوطنية.
فالثقافة ليست مجرد تظاهرات ومناسبات، بل هي ركيزة من ركائز الهوية الوطنية، وأي خلل في تدبيرها ينعكس مباشرة على صورة المغرب داخلياً وخارجياً. لذلك، فإن إعادة الاعتبار للمبدع المغربي ليست خياراً ثانوياً، بل ضرورة استراتيجية لضمان إشعاع ثقافي حقيقي ومستدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *